صلى اللّه عليه وسلم براع يعضد « 1 » شجرة فنهاه عن ذلك ، وقال : هشّوا وارعوا ، وهذا من باب الاقتصاد في الاقتيات ، فإنه إذا عضد الشجرة اليوم لم يجد فيها غدا شيئا ولا غيره ممن يخلفه ، فإذا هشّ ورعى أخذ وأبقى ، والناس كلّهم فيه شركاء ، فليأخذ وليدع ، إلا أن يكون الشيء كثيرا فليأخذه كيف شاء .
المسألة الخامسة - تعرّض قوم لتعديد منافع العصا ، كأنهم يفسرون بذلك قول موسى
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
، وهذا مما لا يحتاج إليه في العلم ، وإنما ينبغي أن يصرّف العصا في حاجة عرضت ؛ أما إنه يحتاج إليها في الدين في موضع واحد إجماعا وهو الخطبة ، وفي موضع آخر باختلاف وهو التوكؤ عليها في صلاة النافلة .
وقد روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر به ، رواه أبو داود وغيره ؛ وقد قدمنا ذكره في كل موضع هنا وسواه .
الآية الرابعة - قوله تعالى « 2 » :
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى . فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى . قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى
.
فيها مسألتان :
المسألة الأولى - يجوز أن يرسل اللّه رسولين ، وقد بينا ذكر قاضيين وأميرين ، والرسالة بخلاف ذلك ، فإنها تبليغ عن اللّه ، فهي بمنزلة الشهادة ، فإن كان القضاء وقلنا لا يجوز لنبي أن يشرع إلا بوحي جاز أن يحكما معا ، وإن قلنا إنه يجوز أن يجتهد النبىّ لم يحكم إلا أحدهما ، وهذا يتم بيانه في قصة داود وسليمان إن شاء اللّه تعالى .
المسألة الثانية - في هذا جواز الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر باللين لمن معه القوة ، وضمنت له العصمة ؛ ألا تراه قال لهما : قولا له قولا لينا ، ولا تخافا إنني معكما أسمع وأرى .
ففي الإسرائيليات أن موسى أقام على باب فرعون سنة لا يجد رسولا يبلّغ كلاما ، حتى لقيه حين خرج فجرى له ما قصّ اللّه علينا من أمره ، وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين . وربّك أعلم بالمهتدين .
هامش
( 1 ) يعضد : يقطع .
( 2 ) الآيات 43 ، 44 ، 45 .