الضرب للمثل مأخوذ من الضريب الذي هو الشبه في النوع ، كما تقول هذا ضرب هذا ، واختلف هل يتعدى فعل ضرب المثل إلى مفعولين أو إلى واحد ، فمن قال إنه يتعدى إلى مفعولين جعل هذه الآية
مَثَلًا
و
أَصْحابَ
مفعولين لقوله
اضْرِبْ
، ومن قال إنه يتعدى إلى مفعول واحد جعله
مَثَلًا
وجعل
أَصْحابَ
بدلا منه ، ويجوز أن يكون المفعول
أَصْحابَ
ويكون قوله
مَثَلًا
نصب على الحال ، أي في حال تمثيل منك ، و
الْقَرْيَةِ
على ما روي عن ابن عباس والزهري وعكرمة أنطاكية ، واختلف المفسرون في « المرسلين » فقال قتادة وغيره : كانوا من الحواريين الذين بعثهم عيسى عليه السلام حين رفع وصلب الذي ألقي عليه شبهه ، فافترق الحواريون في الآفاق فقص اللّه تعالى هنا قصة الذين نهضوا إلى أنطاكية ، وقالت فرقة : هؤلاء أنبياء من قبل اللّه تعالى .
قال القاضي أبو محمد : وهذا يرجحه قول الكفرة
ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
فإنها محاورة إنما تقال لمن ادعى الرسالة عن اللّه تعالى والآخر محتمل ، وذكر النقاش في قصص هذه الآية شيئا يطول والصحة فيه غير متيقنة فاختصرته ، واللازم من الآية أن اللّه تعالى بعث إليها رسولين فدعيا أهل القرية إلى عبادة اللّه تعالى وحده ، وإلى الهدى والإيمان فكذبوهما فشدد اللّه تعالى أمرهما بثالث وقامت الحجة على أهل القرية ، وآمن منهم الرجل الذي جاء يسعى ، وقتلوه في آخر أمره ، وكفروا فأصابتهم صيحة من السماء فخمدوا ، وقرأ جمهور القراء « فعزّزنا » بشد الزاي الأولى على معنى قوينا وشددنا ، وبهذا فسر مجاهد وغيره ، وقرأ عاصم في رواية المفضل عن أبي بكر « فعززنا » بالتخفيف في الزاي على معنى غلبناهم أمرهم ، وفي حرف ابن مسعود « فعززنا بالثالث » بألف ولام ، وهذه الأمة أنكرت النبوءة بقولها :
وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ
، وراجعتهم الرسل بأن يردوا العلم إلى اللّه تعالى وقنعوا بعلمه وأعلموهم أنهم إنما عليهم البلاغ فقط وما عليهم من هداهم وضلالهم ، وفي هذا وعيد لهم .
قوله عزّ وجل :
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 18 إلى 21 ]
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 18 ) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( 19 ) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( 20 ) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 21 )
قال بعض المتأولين : إن أهل هذه القرية أسرع فيهم الجذام عند تكذيبهم المرسلين فلذلك
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ
، وقال مقاتل : احتبس عنهم المطر فلذلك قالوه ، ومعناه تشاءمنا بكم ، مأخوذ من الحكم بالطير ، وهو معنى متداول في الأمم وقلما يستعمل تطيرت إلا في الشؤم ، وأما حكم الطير عند مستعمليه ففي التيمن وفي الشؤم ، والأظهر أن تطير هؤلاء إنما كان بسبب ما دخل قريتهم من اختلاف الكلمة وافتتان الناس ، وهذا على نحو تطير قريش بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى نحو ما خوطب به موسى ، وقال