تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
هذه مخاطبة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم فيها توعد لقريش إذ هذا هو المروع لهم من المثال ، أي ينزل بهم من عذاب اللّه ما نزل بقوم حبيب النجار ، فنفى عزّ وجل ، أي أنه ما أنزل على قوم هذا الرجل
مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ
، فقال مجاهد : أراد أنه لم يرسل رسولا ولا استعتبهم ، قال ابن مسعود : أراد لم يحتج في تعذيبهم إلى جند من جنود اللّه تعالى كالحجارة والغرق والريح وغير ذلك بل كانت صيحة واحدة لأنهم كانوا أيسر وأهون من ذلك ، قال قتادة : واللّه ما عاتب اللّه تعالى قومه بعد قتله حتى أهلكهم ، واختلف المتأولون في قوله
وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ
، فقالت فرقة
ما كُنَّا مُنْزِلِينَ
،
ما
نافية وهذا يجري مع التأويل الثاني في قوله ،
ما أَنْزَلْنا
مِنْ جُنْدٍ
، وقالت فرقة
وَما
عطف على
جُنْدٍ
أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم قبل ذلك ، وقرأ الجمهور « إلا صيحة » بالنصب على خبر « كان » ، أي ما كان عذابهم إلا صيحة واحدة ، وقرأ أبو جعفر ومعاذ بن الحارث « إلا صيحة » بالرفع ، وضعفها أبو حاتم ، والوجه فيها أنها ليست « كان » التي تطلب الاسم والخبر ، وإنما التقدير ما وقعت أو حدثت إلا صيحة واحدة ، وقرأ ابن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود إلا زقية « وهي الصيحة » من الديك ونحوه من الطير ، و
خامِدُونَ
ساكنون موتى لاطئون بالأرض شبهوا بالرماد الذي خمدت ناره وطفئت ، وقوله
يا حَسْرَةً
نداء لها على معنى هذا وقت حضورك وظهورك هذا تقدير نداء مثل هذا عند سيبويه ، وهو معنى قويم في نفسه ، وهو نداء منكور على هذا القراءة ، قال الطبري : المعنى « يا حسرة العباد على أنفسهم » ، وذكر أنها في بعض القراءات كذلك ، وقال ابن عباس : « يا ويلا العباد » ، وقرأ ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين ومجاهد وأبي بن كعب « يا حسرة العباد » ، بإضافتها ، وقول ابن عباس حسن مع قراءته ، وتأويل الطبري في ذلك القراءة الأولى ليس بالبين وإنما يتجه أن يكون المعنى تلهفا على العباد ، كأن الحال يقتضيه وطباع كل بشر توجب عند سماعه حالهم وعذابهم على الكفر وتضييعهم أمر اللّه تعالى أن يشفق ويتحسر على العباد ، وقال أبو العالية : المراد ب
الْعِبادِ
الرسل الثلاثة ، فكأن هذا التحسر هو من الكفار حين رأوا عذاب اللّه تلهفوا على ما فاتهم ، وقوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ
الآية ، يدافع هذا التأويل ، والحسرة التلهفات التي تترك صاحبها حسيرا ، وقرأ الأعرج بن جندب وأبو الزناد « يا حسرة » بالوقف على الهاء وذلك للحرص على بيان معنى التحسر وتقريره للنفس ، والنطق بالهاء في مثل هذا أبلغ في التشفيق وهز النفس كقولهم : أوه ونحوه ، وقوله
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ
الآية ، تمثيل لفعل قريش ثم عناهم بقوله
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ
، و
كَمْ
هنا خبرية ، و
أَنَّهُمْ
بدل منها ، والرؤية رؤية البصر ، وفي قراءة ابن مسعود « أو لم يروا من أهلكنا » ، وقرأ جمهور القراء « أنهم » بفتح الألف ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن « إنهم » بكسرها ، وقرأ جمهور الناس « لما جميع » بتخفيف الميم وذلك على زيادة « ما » للتأكيد ، والمعنى لجميع ، وقرأ الحسن وابن جبير وعاصم « لمّا » بشد الميم ، قالوا هي منزلة منزلة « إلا » ، وقيل المراد « لمما » حذفت الميم الواحدة وفيها ضعف ، وفي حرف أبيّ و « إن منهم إلا جميع » ، و
مُحْضَرُونَ
قال قتادة : محشرون يوم القيامة .