تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
قال تعالى
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
[ الإسراء : 23 ] ، وقال ابن عباس وابن إسحاق : الآية استعارة لحال الكفرة الذين أرادوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم بسوء ، فجعل اللّه تعالى هذا مثالا لهم في كفه إياهم عن محمد صلى اللّه عليه وسلم ومنعهم من إذايته حين بيتوه ، قال عكرمة : نزلت هذه الآية حين أراد أبو جهل ضربه بالحجر العظيم فمنعه اللّه تعالى منه ، الحديث ، وفي غير ذلك من المواطن وقالت فرقة : الآية مستعارة المعاني من منع اللّه تعالى آباءهم من الإيمان وحوله بينهم وبينه . قال القاضي أبو محمد : وهذا أرجح الأقوال لأنه تعالى لما ذكر أنهم
لا يُؤْمِنُونَ
بما سبق لهم في الأزل عقب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغللين ، والغل ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتضييق والتعذيب والأسر ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة هذا معنى التغليل ، وقوله تعالى :
فَهِيَ
يحتمل أن يعود على « الأغلال » أي هي عريضة تبلغ بحرفها
الْأَذْقانِ
، والذقن مجتمع اللحيين فيضطر المغلول إلى رفع وجهه نحو السماء وذلك هو « الإقماح » وهو نحو الإقناع في الهيئة ونحوه ما يفعله الإنسان والحيوان عند شرب الماء البارد وعند الملوحات والحموضة القوية ونحوه ، ويحتمل وهو قول الطبري أن تعود « هي » على الأيدي وإن لم يتقدم لها ذكر لوضوح مكانها من المعنى ، وذلك أن الغل إنما يكون في العنق مع اليدين ، وروي أن في مصحف ابن مسعود وأبيّ « إنا جعلنا في أيمانهم » ، وفي بعضها « في أيديهم » ، وقد ذكرنا معنى « الإقماح » ، وقال قتادة : المقمح الرافع رأسه ، وقال قتادة :
مُقْمَحُونَ
مضللون عن كل خير ، وأرى الناس علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألصقها ورفع رأسه ، وقرأ الجمهور « سدّا » بضم السين في الموضعين ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وطلحة وابن وثاب وعكرمة والنخعي وابن كثير « سدا » بفتح السين ، وقال أبو علي : قال قوم هما بمعنى واحد أي حائلا يسد طريقهم ، وقال عكرمة : ما كان مما يفعله البشر فهو بالضم وما كان خلقة فهو بالفتح . قال القاضي أبو محمد : والسد ما سد وحال ، ومنه قول الأعرابي في صفة سحاب : طلع سد مع انتشار الطفل ، أي سحاب سد الأفق ، ومنه قولهم : جراد سد ، ومعنى الآية أن طريق الهدى سد دونهم ، وقرأ جمهور الناس « فأغشيناهم » بالغين منقوطة أي جعلنا على أعينهم غشاوة ، وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر وعمر بن عبد العزيز والنخعي وابن سيرين « فأغشيناهم » بالعين غير منقوطة ، ورويت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وهي من العشى أي أضعفنا أبصارهم والمعنى
فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
رشدا ولا هدى ، وقرأ يزيد البربري « فأغشيتهم » بتاء دون ألف وبالغين منقوطة . قوله عزّ وجل :

[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 10 إلى 12 ]

وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 10 ) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 ) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ( 12 ) هذه مخاطبة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم مضمنها تسلية عنهم أي أنهم قد حتم عليهم بالكفر فسواء