قرأ الجمهور « وما لي » بفتح الياء ، وقرأ الأعمش وحمزة بسكون الياء ، وقد تقدم مثل هذا ، وقوله تعالى :
وَما لِيَ
تقرير لهم على جهة التوبيخ في هذا الأمر الذي يشهد العقل بصحته أن من فطر واخترع وأخرج من العدم إلى الوجود فهو الذي يستحق أن يعبد ، ثم أخبرهم بأنهم يحشرون إليه يوم القيامة ، ثم وقفهم أيضا على جهة التوبيخ على اتخاذ الآلهة من دون اللّه تعالى ، وهي لا ترد عن الإنسان المقادير التي يريدها اللّه تعالى به لا بقوة منها ولا بشفاعة ، وقرأ طلحة السمان وعيسى الهمداني « أن يردني » بياء مفتوحة ، ورويت عن نافع وعاصم وأبي عمرو ، ثم صدع رضي اللّه تعالى عنه بإيمانه وأعلن فقال
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ
واختلف المفسرون في قوله
فَاسْمَعُونِ
فقال ابن عباس وكعب ووهب : خاطب بها قومه .
قال القاضي أبو محمد : على جهة المبالغة والتنبيه ، وقيل خاطب بها الرسل على جهة الاستشهاد بهم والاستحفاظ عندهم ، وقرأ الجمهور « فاسمعون » بكسر النون على نية الياء بعد ها وروى أبو بكر عن عاصم « فاسمعون » بفتح النون قال أبو حاتم : هذا خطأ لأنه أمر ، فإما حذف النون وإما كسرها على نية الياء .
قال القاضي أبو محمد : وهنا محذوف تواترت به الأحاديث والروايات ، وهو أنهم قتلوه ، . واختلف كيف ، فقال قتادة وغيره : رجموه بالحجارة ، وقال عبد اللّه بن مسعود : مشوا عليه بأقدامهم حتى خرج قصبه من دبره ، فقيل له عند موته
ادْخُلِ الْجَنَّةَ
وذلك واللّه أعلم بأن عرض عليه مقعده منها ، وتحقق أنه من ساكنيها برؤيته ما أقر عينه ، فلما تحصل له ذلك تمنى أن يعلم قومه بذلك ، وقيل أراد بذلك الإشفاق والتنصح لهم ، أي لو علموا بذلك لآمنوا باللّه تعالى ، وقيل أراد أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم به ويحزنهم ذلك ، وهذا موجود في جبلة البشر إذا نال خيرا في بلد غربة ود أن يعلم ذلك جيرانه وأترابه الذين نشأ فيهم ولا سيما في الكرامات ، ونحو من ذلك قول الشاعر :
والعز مطلوب وملتمس * وأحبه ما نيل في الوطن
قال القاضي أبو محمد : والتأويل الأول أشبه بهذا العبد الصالح ، وفي ذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « نصح قومه حيا وميتا » ، وقال قتادة بن دعامة : نصحهم على حالة الغضب والرضى ، وكذلك لا تجد المؤمن إلا ناصحا للناس ، و « ما » في قوله تعالى :
بِما
يجوز أن تكون مصدرية أي بغفران ربي لي ، ويجوز أن تكون بمعنى الذي ، وفي غفر ضمير عائد محذوف قال الزهراوي : ويجوز أن يكون استفهاما ، ثم ضعفه .
قوله عزّ وجل :
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 28 إلى 32 ]
وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ( 29 ) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 30 ) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 ) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 32 )