تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
بالمحسوس على عادتهم وعرفهم ، ووزن الكافر على أحد وجهين : إما أن يوضع كفره في كفة فلا يجد شيئا يعادله في الكفة الأخرى ، وإما أن توضع أعماله من صلة رحم ووجه بر في كفة الحسنات ثم يوضع كفره في الكفة الأخرى فتخف أعماله ، و « لفح النار » إصابتها بالوهج والإحراق ، وقرأ أبو حيوة « كلحون » بغير ألف والكلوح انكشاف الشفتين عن الأسنان ، وهذا يعتري الإنسان عند المباطشة مع الغضب ، ويعتري الرؤوس عند النار ، وقد شبه عبد اللّه بن مسعود ما في هذه الآية مما يعتري رؤوس الكباش إذا شيطت بالنار فإنها تكلح ومنه كلوح الكلب والأسد ويستعار للزمن والخطوب . وقوله
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي
قبله محذوف تقديره يقال لهم ، و « الآيات » هنا القرآن وأخبر عنهم تعالى أنهم إذا سمعوا هذا التقرير أذعنوا وأقروا على أنفسهم وسلموا بقولهم
غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ
وقرأ الجمهور « شقوتنا » بكسر الشين دون ألف بعد القاف وهي قراءة الحرميين ، وقرأ الحمزة والكسائي « شقاوتنا » بفتح الشين وألف بعد القاف وهي قراءة ابن مسعود ، وخير عاصم في الوجهين وهما مصدران من شقي يشقى ، ثم تدرجوا من الإقرار إلى الرغبة والتضرع وذلك أنهم ذلوا لأن الإقرار بالذنب اعتذار وتنصل ، فوقع جواب رغبتهم بحسب ما حتمه اللّه من عذابهم بقوله تعالى :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
وجاء
وَلا تُكَلِّمُونِ
بلفظ نهي وهم لا يستطيعون الكلام على ما روي فهذا مبالغة في المنع ، ويقال إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا ، وحكى الطبري حديثا طويلا في مقاولة تكون بين الكفار وبين مالك خازن النار ، ثم بينهم وبين ربهم وآخرها هذه الكلمة
اخْسَؤُا فِيها
قال فتنطبق عليهم جهنم ويقع اليأس ويبقون ينبح بعضهم في وجه بعض . قال الفقيه الإمام القاضي : واختصرت هذا الحديث لعدم صحته لكن معناه صحيح عافانا اللّه من ناره بمنه ، وقوله
اخْسَؤُا
زجر يستعمل في زجر الكلاب ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لابن صياد اخسأ فلن تعدو قدرك . قوله عزّ وجل :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 109 إلى 111 ]

إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 ) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 ) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ ( 111 ) قرأ هارون « أنه كان » بفتح الألف وهي قراءة أبي بن كعب ، وروي أن في مصحف أبي بن كعب « أن كان » وهذا كله متعاضد ، وفي قراءة ابن مسعود « تكلمون كان فريق » بغير « إنه » وهذه تعضد كسر الألف من « إنه » لأنها استئناف ، وهذه الهاء هي مبهمة ضمير للأمر ، والكوفيون يسمونها المجهولة وهي عبارة فاسدة ، وهذه الآية كلها مما يقال للكفار على جهة التوبيخ ، و « الفريق » المشار إليه كل مستضعف من المؤمنين يتفق أن تكون حاله مع كفار في مثل هذه الحال ، ونزلت الآية في كفار قريش مع صهيب وبلال وعمار ونظرائهم ثم هي عامة فيمن جرى مجراهم قديما وبقية الدهر ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي « سخريا » بضم السين ، وقرأ الباقون « سخريا » بكسرها ، فقالت طائفة هما بمعنى واحد وذكر ذلك الطبري ، وقال ذلك أبو