تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
و « إن » شرط و « ما » زائدة ، و
تُرِيَنِّي
جزم بالشرط لزمت النون الثقيلة وهي لا تفارق « إما » عند المبرد ، ويجوز عن سيبويه أن تفارق فيقال
إِمَّا تُرِيَنِّي
لكن استعمال القرآن لزومها فمن هنالك ألزمها المبرد ، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في جودة الخاتمة ، وفي هذه الآية بجملتها إعلام بقرب العذاب منهم كما كان في يوم بدر ، وقوله ثانيا اعتراض بين الشرط وجوابه ، وقوله
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
الآية أمر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها ، لهذا فهو حكم باق في الأمة أبدا وما فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال ، وقوله
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ
يقتضي أنها آية موادعة ، وقال مجاهد « الدفع بالتي هي أحسن » هو السلام يسلم عليه إذا لقيه ، وقال الحسن : واللّه لا يصيبها أحد حتى يكظم غيظه ويصفح عما يكره . قال الفقيه الإمام القاضي : هذه الطرفان وفي هذه الآية عدة للنبي صلى اللّه عليه وسلم أي اشتغل بهذا وكل تعذيبهم والنقمة منهم إلينا وأمره بالتعوذ من الشيطان في « همزاته » وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه ، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة ، فلذلك اتصلت بهذه الآية ، وقال ابن زيد : « همز الشيطان » الجنون . قال الفقيه الإمام القاضي : وفي مصنف أبي داود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « اللهم إني أعوذ بك من الشيطان ، همزه ونفخه ونفثه » قال أبو داود همزة الموتة وهي الجنون ونفخه الكبر ونفشه السحر . قال الفقيه الإمام القاضي : والنزعات وسورات الغضب من الشيطان وهي المتعوذ منها في الآية ، والتعوذ من الجنون أيضا وكيد ، وفي قراءة أبي بن كعب « رب عائذا بك من همزات الشياطين وعائذا بك رب أن يحضرون » ، وقوله
أَنْ يَحْضُرُونِ
أن يكونوا معي في أموري فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز فإذا لم يكن حضور فلا همز . قال الفقيه الإمام القاضي : وأصل الهمز الدفع والوخز بيد وغيرها ومنه همز الخيل وهمز الناس باللسان وقيل لبعض العرب أتهمز الفأرة ، سئل بذلك عن اللفظة فظن أن المراد شخص الفأرة فقال الهر يهمزها . قوله عزّ وجل :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 99 إلى 102 ]

حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 100 ) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 )
حَتَّى
في هذا الموضع حرف ابتداء ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف ، والأول أبين لأن ما بعدها هو المعنيّ به المقصود ذكره ، والضمير في قوله
أَحَدَهُمُ
للكفار ، وقوله
ارْجِعُونِ
معناه إلى الحياة الدنيا ، وجمع الضمير يتخرج على معنيين إما أن يخاطبه مخاطبة الجمع تعظيما على نحو