تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
التراب قيل لهم لما قاموا
كَمْ لَبِثْتُمْ
؟ وقوله آخرا
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
يقتضي ما قلناه ، و
عَدَدَ
نصب ب
كَمْ
على التمييز ، وقرأ الأعمش « عددا سنين » بتنوين « عددا » ، وقال مجاهد أرادوا ب
الْعادِّينَ
الملائكة ، وقال قتادة أرادوا أهل الحساب . قال الفقيه الإمام القاضي : وظاهر اللفظ أنهم أرادوا سل من يتصف بهذه الصفة ، ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها لأن النائم والميت لا يعد الحركة فيقدر له الزمن ، وقوله
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
مقصده على القول بأن اللبث في الدنيا ، أي قليل القدر في جنب ما تعذبون ، وعلى القول بأن اللبث في القبور معناه أنه قليل إذ كل آت قريب ولكنكم كذبتم به إذ كنتم لا تعلمون إذ لم ترغبوا في العلم والهدى ، و
عَبَثاً
معناه باطلا لغير غاية مرادة ، وقرأ الجمهور « ترجعون » بضم التاء وفتح الجيم ، وقرأ حمزة والكسائي « ترجعون » بفتح التاء وكسر الجيم والمعنى فيهما بين . قوله عزّ وجل :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 116 إلى 118 ]

فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 ) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 118 ) المعنى
فَتَعالَى اللَّهُ
عن مقالتهم في جهته من الصاحبة والولد ومن حسابهم أنهم لا يرجعون ، أي تنزه اللّه عن تلك الأمور وتعالى عنها ، وقرأ ابن محيصن « الكريم » برفع صفة للرب ، ثم توعد جلت قدرته عبدة الأصنام بقوله :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ
الآية والوعيد قوله
فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
والبرهان الحجة وظاهر الكلام أن
مَنْ
شرط وجوابه في قوله :
فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
وقوله :
لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
في موضع الصفة وذهب قوم إلى أن الجواب في قوله
لا بُرْهانَ
وهذا هروب من دليل الخطاب من أن يكون ثم داع له البرهان . قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا تحفظ مما لا يلزم ويلحقه حذف الفاء من جواب الشرط وهو غير فصيح قاله سيبويه ، وفي حرف عبد اللّه « عند ربك » وفي حرف أبي عند اللّه وروي أن فيه « على اللّه » ، ثم حتم وأكد أن الكافر لا يبلغ أمنيته ولا ينجح سعيه ، وقرأ الجمهور « إنه » بكسر الألف ، وقرأ الحسن وقتادة « أنه » بفتحها ، والمعنى أنه إذ لا يذكر و
لا يُفْلِحُ
يؤخر حسابه وعذابه حتى يلقى ربه . وقرأ الحسن « يفلح » بفتح الياء واللام ، ثم أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالدعاء في المغفرة والرحمة والذكر له تعالى بأنه
خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
لأن كل راحم فمتصرف على إرادة اللّه وتوقيفه وتقديره لمقدار هذه الرحمة ، ورحمته تعالى لا مشاركة لأحد فيها ، وأيضا فرحمة كل راحم في أشياء وبأشياء حقيرات بالإضافة إلى المعاني التي تقع فيها رحمة اللّه تعالى من الاستنقاذ من النار ، وهيئة نعيم الجنة وعلى ما في الحديث فرحمة كل راحم بمجموعها كلها جزء من مائة رحمة اللّه جلت قدرته : إذ بث في العالم واحدة وأمسك عنده تسعة وتسعين ، وقرأ ابن محيصن « ربّ اغفر » بضم الباء .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 159 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى