ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن * أعزي النفس عنه بالتأسي
فهذا التأسي قد كفاها مئونة قتل النفس ، فنفى اللّه تعالى عنهم الانتفاع بالتأسي ، وفي ذلك تعذيب لهم ويأس من كل خير ، وفاعل قوله :
يَنْفَعَكُمُ
الاشتراك .
وقرأ جمهور القراء : « أنكم » بفتح الألف . وقرأ ابن عامر وحده : « إنكم » بكسر الألف ، وقد يجوز أن يكون الفاعل
يَنْفَعَكُمُ
التبري الذي يدل عليه قوله :
يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
وعلى هذا يكون « أنكم » في موضع نصب على المفعول من أجله ، وتخرج الآية على معنى نفي الأسوة .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 40 إلى 45 ]
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 40 ) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( 41 ) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ( 42 ) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 43 ) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ( 44 )
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 )
لما ذكر تعالى حال الكفرة في الآخرة وما يقال لهم وهم في العذاب ، اقتضى ذلك أن تشفق النفوس ، وأن ينظر كل سامع لنفسه ويسعى في خلاصها ، فلما كانت قريش مع هذا الذي سمعت لم تزل عن عتوها وإعراضها عن أمر اللّه ، رجعت المخاطبة إلى محمد عليه السلام على جهة التسلية له عنهم وشبههم ب
الصُّمَّ
و
الْعُمْيَ
، إذ كانت حواسهم لا تفيد شيئا .
وقوله :
وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
يريد بذلك قريشا بأنفسهم ، ولذلك لم يقل : « من كان » بل جاء بالواو العاطفة ، كأنه يقول : وهؤلاء ، ويؤيد ذلك أيضا عود الضمير عليهم في قوله :
فَإِنَّا مِنْهُمْ
ولم يجر لهم ذكر إلا في قوله :
وَمَنْ كانَ
.
وقوله تعالى :
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ
الآية تتضمن وعيدا واقعا ، وذهب جمهور العلماء إلى أن المتوعدين هم الكفار ، وأن اللّه تعالى أرى نبيه الذي توعدهم في بدر والفتح وغير ذلك ، وذهب الحسن وقتادة إلى أن المتوعدين هم في هذه الأمة ، وأن اللّه تعالى أكرم نبيه على أن ينتقم منهم بحضرته وفي حياته ، فوقعت النقمة منهم بعد أن ذهب به ، وذلك في الفتن الحادثة في صدر الإسلام مع الخوارج وغيرهم ، قال الحسن وقتادة : أكرم اللّه نبيه على أن يرى في أمته ما يكره كما رأى الأنبياء ، فكانت بعد ذهابه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد روي حديث عن جابر بن عبد اللّه أنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ :
فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ
فقال : بعلي بن أبي طالب والقول الأول من توعد الكفار أكثر ، ثم أمر تعالى نبيه بالتمسك بما جاء من عند اللّه من الوحي المتلو وغيره . والصراط : الطريق .