الضمير في :
قالُوا
لقريش ، وذلك أنهم استبعدوا أولا أن يرسل اللّه بشرا ، فلما تقرر أمر موسى وعيسى وإبراهيم ولم يكن لهم في ذلك مدفع ، رجعوا يناقضون فيما يخض محمدا عليه السلام بعينه ، فقالوا : لم كان محمد ولم يكن نزول الشرع
عَلى رَجُلٍ
من إحدى الفرقتين
عَظِيمٍ
، وقدر المبرد قولهم على رجل من رجلين من القريتين ، والقريتان : مكة والطائف ، ورجل مكة الذي أشاروا إليه : قال ابن عباس وقتادة هو : الوليد بن المغيرة المخزومي . وقال مجاهد هو : عتبة بن ربيعة . وقال قتادة : بلغنا أنه لم يبق فخذ من قريش إلا ادعاه . ورجل الطائف قال قتادة هو : عروة بن مسعود . وقال ابن عباس : حبيب بن عبد بن عمير . وقال مجاهد : كنانة بن عبد ياليل .
قال القاضي أبو محمد : وإنما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسن والقدم ، وإلا فرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان حينئذ أعظم من هؤلاء ، لكن لما عظم أولئك قبل مدة النبي وفي صباه استمر ذلك لهم .
ثم وقف على جهة التوبيخ لهم بقوله :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
المعنى على اختيارهم وإرادتهم تنقسم الفضائل والمكانة عند اللّه . والرحمة : اسم يعم جميع هذا . ثم أخبر تعالى خبرا جازما بأنه قاسم المعايش والدرجات في الدنيا ليسخر بعض الناس بعضا ، المعنى : فإذا كان اهتمامنا بهم أن نقسم هذا الحقير الفاني ، فأحرى أن نقسم الأهم الخطير .
وفي قوله تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ
تزهيد في السعايات ، وعون على التوكل على اللّه تعالى ، وللّه در القائل : [ الرجز ] لما أتى نحن قسمنا بينهم زال المرا وقرأ الجمهور : « معيشتهم » . وقرأ ابن مسعود والأعمش : « معايشهم » .
وقرأ جمهور الناس « سخريا » بضم السين . وقرأ أبو رجاء وابن محيصن : « سخريا » بكسر السين ، وهما لغتان في معنى التسخير ، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية .
وقوله تعالى :
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
قال قتادة والسدي : يعني الجنة .
قال القاضي أبو محمد : لا شك أن الجنة هي الغاية ، ورحمة اللّه في الدنيا بالهداية ، والإيمان خير من كل مال ، وهذا اللفظ تحقير للدنيا ، ثم استمر القول في تحقيرها بقوله :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ
الآية ، وذلك أن معنى الآية : أن اللّه تعالى أبقى على عبيده وأنعم بمراعاة بقاء الخير والإيمان وشاء حفظه على طائفة منهم بقية الدهر ، ولولا كراهية أن يكون الناس كفارا كلهم وأهل حب في الدنيا وتجرد لها لوسع على الكفار غاية التوسعة ومكنهم من الدنيا ، إذ حقارتهم عنده تقتضي ذلك ، لأنها لا قدر لها ولا وزن لفنائها وذهاب رسومها ، فقوله :
أُمَّةً واحِدَةً
معناه : في الكفر ، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي ، ومن