تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
الليل ، وكذلك هو الأعشى من الرجال ، ويقال أيضا : عشى الرجل يعشي عشاء إذا فسد بصره فلم ير ، أو لم ير إلا قليلا . وقرأ قتادة ويحيى بن سلام البصري : « ومن يعش » بفتح الشين ، وهي من قولهم : عشى يعشي ، والأكثر عشى يعشو ، ومنه قول الشاعر [ الحطيئة ] : [ الطويل ]
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد
وفي شعر آخر [ عبد اللّه بن الحر ] : تجد حطبا جزلا وجمرا تأججا وقرأ الأعمش : « ومن يعش عن الرحمن » ، وسقط :
ذِكْرِ
. فالمعنى في الآية : ومن يقل نظره في شرع اللّه ويغمض جفونه عن النظر في ذكر الرحمن ، أي فيما ذكر به عباده ، فالمصدر إلى الفاعل ،
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً
أي نيسر له ونعد ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدم الفلاح ، وهذا كما يقال : إن اللّه يعاقب على المعصية بالتزيد في المعاصي ، ويجازي على الحسنة بالتزيد من الحسنات ، وقد روي هذا المعنى مرفوعا . وقرأ الجمهور : « نقيض » بالنون . وقرأ الأعمش : « يقيض » ، بالياء « شيطانا » ، أي يقيض اللّه . وقرأ ابن عباس : « يقيّض له شيطان » ، بفتح الياء الثانية وشدها ورفع النون من « شيطان » . والضمير في قوله :
وَإِنَّهُمْ
عائد على الشياطين . وفي : « يصدونهم » على الكفار . و :
السَّبِيلِ
هي سبيل الهدى والفوز . والضمير في :
يَحْسَبُونَ
للكفار . وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ، وابن عامر وأبو جعفر وشيبة وقتادة والزهري والجحدري : « حتى إذا جاءانا » على التثنية ، يريد العاشي والقرين ، قاله سعيد الجريري وقتادة . وقرأ أبو عمرو والحسن وابن محيصن والأعرج وعيسى والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي : « جاءنا » يريد العاشي وحده . وفاعل :
قالَ
هو العاشي . وقوله :
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
يحتمل ثلاثة معان ، أحدهما : أن يريد بعد المشرق من المغرب ، فسماهما مشرقين ، كما يقال : القمران والعمران ، قال الفرزدق : لما قمراها والنجوم الطوالع والثاني : أن يريد مشرق الشمس في أطول يوم ، ومشرقها في أقصر يوم ، فكأنه أخذ نهايتي المشارق . والثالث : أن يريد
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
من المغربين ، فاكتفى بذكر
الْمَشْرِقَيْنِ
. وقوله تعالى :
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ
الآية حكاية عن مقالة تقال لهم يوم القيامة ، وهي مقالة موحشة حرمتهم روح التأسي ، لأنه يوقفهم بها على أنهم لا ينفعهم التأسي ، وذلك لعظم المصيبة وطول العذاب واستمرار مدته ، إذ التأسي راحة كل شيء في الدنيا في الأغلب ، ألا ترى إلى قول الخنساء : [ الوافر ]