أحسن من الشمس ، واحتجوا بهذه الآية ، واختلف الناس في تقويم الإنسان ما هو ؟ فقال النخعي ومجاهد وقتادة : حسن صورته وحواسه ، وقال بعضهم : هو انتصاب قامته ، وقال أبو بكر بن طاهر في كتاب الثعلبي :
هو عقله وإدراكه اللذان زيناه بالتمييز ، وقال عكرمة : هو الشباب والقوة ، والصواب أن جميع هذا هو حسن التقويم إلا قول عكرمة ، إذ قوله يفضل فيه بعض الحيوان ، و
الْإِنْسانَ
هنا اسم الجنس . وتقدير الكلام في تقويم
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
، لأن
أَحْسَنِ
صفة لا بد أن تجري على موصوف ، واختلف الناس في معنى قوله تعالى :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
، فقال عكرمة وقتادة والضحاك والنخعي : معناه بالهرم وذهول العقل وتفلت الفكر حتى يصير لا يعلم شيئا ، أما إن المؤمن مرفوع عنه القلم ، والاستثناء على هذا منقطع ، وهذا قول حسن وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا بل في الجنس من يعتريه ذلك وهذه عبرة منصوبة ، وقرأ ابن مسعود : « السافلين » بالألف واللام ، ثم أخبر أن
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
وإن نال بعضهم هذا في الدنيا
فَلَهُمْ
في الآخرة
أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
، وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وأبو العالية : المعنى
رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
في النار على كفره ثم استثنى
الَّذِينَ آمَنُوا
استثناء منفصلا ، فهم على هذا ليس فيهم من يرد أسفل سافلين في النار على كفره ، وفي حديث عن أنس قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف اللّه تعالى حسابه ، فإذا بلغ ستين رزقه الإنابة ، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء ، فإذا بلغ الثمانين كتبت حسناته وتجاوز اللّه عن سيئاته ، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته وكان أسير اللّه في أرضه ، فإذا بلغ مائة ولم يعمل شيئا كتب اللّه له ما كان يعمل في صحته ولم تكتب عليه سيئة » . وفي حديث « إن المؤمن إذا رد إلى أرذل العمر كتب اللّه له خير ما كان يعمله في قوته ، وذلك أجر غير ممنون » . و
مَمْنُونٍ
معناه : محسوب مصرّد يمن عليهم ، قاله مجاهد وغيره ، وقال كثير من المفسرين معناه مقطوع من قولهم حبل منين ، أي ضعيف منقطع ، واختلف في المخاطب بقوله تعالى :
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ
فقال قتادة والفراء والأخفش : هو محمد عليه السلام ، قال اللّه له : فما ذا الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت ، ويحتمل أن يكون « الدين » على هذا التأويل جميع دينه وشرعه ، وقال جمهور من المتأولين : المخاطب الإنسان الكافر ، أي ما الذي يجعلك كذابا بالدين ، تجعل له أندادا ، وتزعم أن لا بعث بعد هذه الدلائل ، وقال منصور قلت لمجاهد : قوله تعالى :
فَما يُكَذِّبُكَ
يريد به النبي صلى اللّه عليه وسلم قال معاذ اللّه يعني به الشاك ، ثم وقف تعالى جميع خلقه على أنه أحكم
الْحاكِمِينَ
على جهة التقرير ، وروي عن قتادة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قرأ هذه السورة قال : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين .