تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
وخلقة الإنسان من أعظم العبر حتى أنه ليس في المخلوقات التي لدينا أكثر عبرا منه في عقله وإدراكه ورباطات بدنه وعظامه ، والعلق جمع علقة ، وهي القطعة اليسيرة من الدم ، و
الْإِنْسانَ
هنا : اسم الجنس ، ويمشي الذهن معه إلى جميع الحيوان ، وليست الإشارة إلى آدم ، لأنه مخلوق من طين ، ولم يكن ذلك متقررا عند الكفار المخاطبين بهذه الآية ، فلذلك ترك أصل الخلقة وسيق لهم الفرع الذي هم به مقرون تقريبا لأفهامهم ، ثم قال تعالى :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
على جهة التأنيس ، كأنه يقول : امض لما أمرت به وربك ليس كهذه الأرباب ، بل هو الأكرم الذي لا يلحقه نقص ، فهو ينصرك ويظهرك ، ثم عدد تعالى نعمة الكتاب
بِالْقَلَمِ
على الناس وهي موضع عبرة وأعظم منفعة في المخاطبات وتخليد المعارف ، وقوله تعالى :
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
قيل : المراد محمد عليه السلام ، وقيل : اسم الجنس وهو الأظهر ، وعدد نعمته اكتساب المعارف بعد جهله بها ، وقوله تعالى :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى
الآية نزلت بعد مدة من شأن أبي جهل بن هشام ، وذلك أنه طغى لغناه ولكثرة من يغشى ناديه من الناس ، فناصب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العداوة ونهاه عن الصلاة في المسجد ، ويروى أنه قال : لئن رأيت محمدا يسجد عند الكعبة لأطأن على عنقه ، فيروى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رد عليه القول وانتهره وتوعده ، فقال أبو جهل : أيتوعدني ، وما والي بالوادي أعظم نديا مني ، ويروى أيضا أنه جاء والنبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي فهمّ بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة ، ثم كع عنه وانصرف ، فقيل له : ما هذا ؟ فقال : لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار ، وهول وأجنحة ، ويروى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لو دنا مني لأخذته الملائكة عيانا » ، فهذه السورة من قوله :
كَلَّا
إلى آخرها نزلت في أبي جهل ، و
كَلَّا
: هي رد على أقوال أبي جهل وأفعاله ، ويتجه أن تكون بمعنى : حقا ، فهي تثبيت لما بعدها من القول والطغيان : تجاوز الحدود الجميلة ، والغني : مطغ إلا من عصم اللّه والضمير في
رَآهُ
للإنسان المذكور ، كأنه قال : أن رأى نفسه غنيا ، وهي رؤية قلب تقرب من العلم ، ولذلك جاز أن يعمل فعل الفاعل في نفسه ، كما تقول : وجدتني وطننتني ولا يجوز أن تقول : ضربتني ، وقرأ الجمهور : « أن رآه » ، بالمد على وزن رعاه ، واختلفوا في الإمالة وتركها ، وقرأ ابن كثير من طريق قنبل : « أن رآه » ، على وزن رعه ، على حذف لام الفعل وذلك تخفيف ، ثم حقر غنى هذا الإنسان وما له بقوله :
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
أي الحشر والبعث يوم القيامة ، و
الرُّجْعى
: مصدر كالرجوع ، وهو على وزن : العقبى ونحوه ، وفي هذا الخبر : وعيد للطاغين من الناس ، ثم صرح بذكر الناهي لمحمد عليه السلام ، ولم يختلف أحد من المفسرين في أن الناهي : أبو جهل ، وأن العبد المصلي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله تعالى :
أَ رَأَيْتَ *
توقيف وهو فعل لا يتعدى إلى مفعولين على حد الرؤية من العلم بل يقتصر به ، وقوله تعالى :
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
إكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوقيفات الثلاث يصلح مع كل واحد منهما فجاء بها في نسق ثم جاء بالوعيد الكافي لجميعها اختصارا واقتضابا ، ومع كل تقرير من الثلاثة تكملة مقدرة تتسع العبارات فيها ، وقوله :
أَ لَمْ يَعْلَمْ
دال عليها مغن ، وقوله تعالى :
إِنْ كانَ
يعني العبد المصلي ، وقوله :
إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
، يعني الإنسان الذي ينهى ، ونسب الرؤية إلى اللّه تعالى بمعنى يدرك أعمال الجميع بإدراك : سماه رؤية ، واللّه منزه عن الجارحة وغير ذلك من المماثلات المحدثات ، ثم توعد تعالى