تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
إن لم ينته بأن يؤخذ بناصيته فيجر إلى جهنم ذليلا ، تقول العرب : سفعت بيدي ناصية الفرس ، والرجل إذا جذبتها مذللا له ، قال عمرو بن معد يكرب : [ الكامل ]
قوم إذا سمعوا الصياح رأيتهم * ما بين ملجم مهره أو سافع
فالآية على نحو قوله :
فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ
[ الرحمن : 41 ] وقال بعض العلماء بالتفسير :
لَنَسْفَعاً
معناه : لنحرقن من قولهم سفعته النار إذا أحرقته ، واكتفى بذكر الناصية لدلالتها على الوجه ، وجاء
لَنَسْفَعاً
في خط المصحف بألف بدل النون ، وقرأ أبو عمرو في رواية هارون : « لنسفعن » مثقلة النون ، وفي مصحف ابن مسعود : « لأسفعن بالناصية ناصية كاذبة فاجرة » ، وقرأ أبو حيوة : « ناصية كاذبة خاطئة » بالنصب في الثلاثة ، وروي عن الكسائي أنه قرأ بالرفع فيها كلها ، والناصية مقدم شعر الرأس ، ثم أبدل النكرة من المعرفة في قوله :
ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ
ووصفها بالكذب والخطأ من حيث صفة لصاحبها ، كما تقول : يد سارقة ، وقوله :
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ
إشارة إلى قول أبي جهل ، وما بالوادي أكثر ناديا مني ، والنادي والندى المجلس ومنه دار الندوة ومنه قول زهير : [ الكامل ]
وفيهم مقامات حسان وجوههم * وأندية ينتابها القول والفعل
ومنه قول الأعرابية : سيد ناديه ، وثمال عافية ، و
الزَّبانِيَةَ
ملائكة العذاب واحدهم زبنية ، وقال الكسائي زبني ، وقال عيسى بن عمر والأخفش : زابن وهم الذين يدفعون الناس في النار ، والزبن الدفع ، ومنه حرب زبون أي تدفع الناس عن نفسها ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
ومستعجب مما يرى من أناتنا * ولو زبنته الحرب لم يترمرم
ومنه قول عتبة بن أبي سفيان : وقد زبتنا الحرب وزبناها فنحن بنوها وهي أمنا ، ومنه قول الشاعر : [ الوافر ]
عدتني عن زيارتك الأعادي * وحالت بيننا حرب زبون
وحذف الواو من
سَنَدْعُ
في خط المصحف اختصارا وتخفيفا ، والمعنى :
سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ
لعذاب هذا الذي يدعو ناديه ، وقرأ ابن مسعود : « فليدع إلى ناديه » ، ثم قال تعالى لمحمد عليه السلام :
كَلَّا
ردا على قول هذا الكافر وأفعاله
لا تُطِعْهُ
أي لا تلتفت إلى نهية وكلامه ، واسجد لربك واقترب إليه بسجودك وبالطاعة والأعمال الصالحة ، وفي الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد ، فأكثروا من الدعاء في السجود فقمين أن يستجاب لكم » . وقال مجاهد : ثم قال ألم تسمعوا :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
، وروى ابن وهب عن جماعة من أهل العلم أن قوله تعالى :
وَاسْجُدْ
خطاب لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأن
اقْتَرِبْ
خطاب لأبي جهل ، أي إن كنت تجترئ حتى ترى كيف تهلك ، وهذه السورة فيها سجدة عند جماعة من أهل العلم ، منهم في مذهب مالك ابن وهب .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 503 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى