قال القاضي أبو محمد : وهذا المسك بظواهر القرآن ، وعلى هذا القول أطبقت المعتزلة ، والتوبة الندم على فارط المعصية والعزم على ترك مثلها في المستقبل ، وهذا من المتمكن ، وأما غير المتمكن كالمجبوب في الزنا فالندم وحده يكفيه ، والتوبة عبادة كالصلاة ونحوها ، فإذا تاب العبد وحصلت توبته بشروطها وقبلت ثم عاود الذنب ، فتوبته الأولى لا تفسدها عودة بل هي كسائر ما تحصل من العبادات ، والنصوح بناء مبالغة من النصح إلى توبة نصحت صاحبها وأرشدته ، وقرأ الجمهور : « نصوحا » بفتح النون ، وقرأ أبو بكر عن عاصم وخارجة عن نافع والحسن والأعرج وعيسى : « نصوحا » بضم النون ، وهو مصدر ، يقال : نصح ، ينصح ، نصاحة ، ونصاحة قاله الزجاج ، فوصف التوبة بالمصدر كالعدل والزور وغيره ، وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : التوبة النصوح ، هي أن يتوب ثم لا يعود ، وقال أبو بكر الوراق : هي أن تضيق عليك الأرض بما رحبت كتوبة الذين خلفوا ، وقوله تعالى :
عَسى رَبُّكُمْ
الآية ، ترجية ، وقد روي أن
عَسى
من اللّه واجبة ، والعامل في
يَوْمَ
قوله :
يُدْخِلَكُمْ
، وروي في معنى قوله تعالى :
يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ
، أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم تضرع في أمر أمته فأوحى اللّه إليه : إن شئت جعلت حسابهم إليك ، فقال : « يا رب أنت أرحم بهم » ، فقال اللّه تعالى : إذا لا أخزيك فيهم ، فهذا معنى قوله :
يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ
، والخزي المكروه الذي يترك الإنسان حيران خجلا مهموما بأن يرى نقصه ، أو سوء منزلته ، وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
يحتمل أن يكون معطوفا على
النَّبِيَّ
فيخرج المؤمنون من الخزي ، ويحتمل أن يكون ابتداء ، و
نُورُهُمْ يَسْعى
جملة هي خبره ، ويبقى النبي صلى اللّه عليه وسلم مخصوصا مفضلا بأنه لا يخزى ، وقد تقدم القول في نظير قوله :
يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
[ التحريم : 8 ] ، وقرأ سهل بن سعد : « وبإيمانهم » ، بكسر الهمزة ، وقوله تعالى :
رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا
، قال الحسن بن أبي الحسن هو عندما يرون من انطفاء نور المنافقين حسبما تقدم تفسيره ، وقيل يقول من أعطي من النور بقدر ما يرى قدميه فقط .
قوله عزّ وجل :
[ سورة التحريم ( 66 ) : الآيات 9 إلى 10 ]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 9 ) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( 10 )
هذه الآية تأكيد لأمر الجهاد وفضله المتقدم ، والمعنى دم على جهاد الكافرين بالسيف ، وجاهد المنافقين بنجههم وإقامة الحدود عليهم وضربهم في كل جرائمهم ، وعند قوة الظن بهم ، ولم يعين اللّه تعالى لرسوله منافقا يقع القطع بنفاقه ، لأن التشهد الذي كانوا يظهرون كان ملبسا لأمرهم مشبها لهم بالعصاة من الأمة . والغلظة عليهم هي فظاظة القلب والانتهار وقلة الرفق بهم ، وقرأ الضحاك : « وأغلظ »