تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
أبي رباح : فمعنى الآية :
فَمِنْكُمْ كافِرٌ
باللّه
مُؤْمِنٌ
بالكوكب ، ومؤمن باللّه كافر بالكوكب ، وقدم الكافر لأنه أعرف من جهة الكثرة ، وقوله تعالى :
بِالْحَقِّ
أي حين كان خلقها محقوقا في نفسه ليست عبثا ولا لغير معنى . وقرأ جمهور الناس : « صوركم » بضم الصاد ، وقرأ أبو رزين : « صوركم » بكسرها ، وهذا تعديد النعمة في حسن الخلقة ، لأن أعضاء ابن آدم متصرفة لجميع ما تتصرف به أعضاء الحيوان ، وبزيادات كثيرة فضل بها ثم هو مفضل بحسن الوجه ، وجمال الجوارح ، وحجة هذا قوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] ، وقال بعض العلماء : النعمة المعددة هنا إنما هي صورة الإنسان من حيث هو إنسان مدرك عاقل ، فهذا هو الذي حسن له حتى لحق ذلك كمالات كثيرة . قال القاضي أبو محمد : والقول الأول أحرى في لغة العرب ، لأنها لا تعرف الصور إلا الشكل ، وذكر تعالى علمه بما في السماوات والأرض ، فعم عظام المخلوقات ، ثم تدرج القول إلى أخفى من ذلك وهو جميع ما يقوله الناس في سر وفي علن ، ثم تدرج إلى ما هو أخفى ، وهو ما يهجس بالخواطر ، وذات الصدور : ما فيها من خطرات واعتقادات كما يقال : الذئب مغبوط بذي بطنه ، كما قال أبو بكر رضي اللّه عنه : إنما هو ذو بطن بنت خارجة ، و « الصدور » هنا عبارة عن القلب ، إذا القلب في الصدر . قوله عزّ وجل :

[ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 5 إلى 7 ]

أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 5 ) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 6 ) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 7 )
يَأْتِكُمْ
جزم وأصله « يأتيكم » قال سيبويه : واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم ، والخطاب في هذه الآية لقريش ، ذكروا بما حل بعاد وثمود وقوم إبراهيم وغيرهم ممن سمعت قريش أخبارهم ، و « وبال الأمر » : مكروهه ، وما يسوء منه ، وقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُ
إشارة إلى ذوق الوبال ، وكون عذاب الآخرة لهم ، ثم ذكر تعالى من مقالة أولئك الماضين ما هو مشبه لقول كفار قريش من استبعاد بعث اللّه للبشر ، ونبوة أحد من بني آدم ، وحسد الشخص المبعوث ، وقوله :
أَ بَشَرٌ
رفع بالابتداء ، وجمع الضمير في قوله :
يَهْدُونَنا
من حيث كان البشر اسم هذا النوع الآدمي ، كأنهم قالوا أناس هداتنا ؟ وقوله تعالى :
اسْتَغْنَى اللَّهُ
عبارة عما ظهر من هلاكهم ، وأنهم لن يضروا اللّه شيئا ، فبان أنه كان غنيا أزلا وبسبب ظهور هلاكهم بعد أن لم يكن ظاهرا ساغ استعمال هذا البناء مسندا إلى اسم اللّه تعالى ، لأن بناء استفعل إنما هو لطلب الشيء وتحصيله بالطلب ، وقوله تعالى :
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا