يريد قريشا ثم هي بعد تعم كل كافر بالبعث ، وقال عبد اللّه بن عمر : الزعم : كنية الكذب ، وقال عليه السلام : بئس مطية الرجل زعموا ، ولا توجد « زعم » مستعملة في فصيح من الكلام إلا عبارة عن الكذب ، أو قول انفرد به قائله فيريد ناقله أن يبقي عهدته على الزاعم ، ففي ذلك ما ينحو إلى تضعيف الزعم ، وقول سيبويه : زعم الخليل إنما يجيء فيما انفرد الخليل به ، ثم أمره تعالى أن يجيب نفيهم بما يقتضي الرد عليه إيجاب البعث وأن يؤكد ذلك بالقسم ، ثم توعدهم تعالى في آخر الآية بأنهم يخبرون بأعمالهم على جهة التوقيف والتوبيخ ، المؤدي إلى العقاب .
قوله عزّ وجل :
[ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 8 إلى 11 ]
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 8 ) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 10 ) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 11 )
هذا دعاء إلى اللّه تعالى وتبليغ وتحذير من يوم القيامة ، و « النور » القرآن ومعانيه ، والعامل في قوله
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ
يحتمل أن تكون
لَتُنَبَّؤُنَّ
[ التغابن : 7 ] ، ويحتمل أن تكون
خَبِيرٌ
، وهو تعالى خبير في كل يوم ، ولكن يخص ذلك اليوم ، لأنه يوم تضرهم فيه خبرة اللّه تعالى بأمورهم ، وقرأ جمهور السبعة :
« يجمعكم » بضم العين ، وقرأ أبو عمر بسكونها ، وروي عنه أنه أشمها الضم وهذا على جواز تسكين الحركة وإن كانت لإعراب ، كما قال جرير : ولا تعرفكم العرب ، وقرأ سلام ويعقوب : « نجمعكم » بالنون وضم العين ، و : يوم
الْجَمْعِ
هو يوم القيامة ، وهو
يَوْمُ التَّغابُنِ
، وذلك أن كل واحد ينبعث من قبره وهو يرجو حظا ومنزلة ، فإذا وقع الجزاء غبن المؤمنون الكافرين لأنهم يحوزون الجنة ويحصل الكفار في النار ، نحا هذا المنحى مجاهد وغيره ، وليس هذا الفعل من التغابن من اثنين ، بل كتواضع وتحامل ، وقرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم : « نكفر عنه » بنون وكذلك : « ندخله » ، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة والحسن بخلاف وطلحة ، وقرأ الباقون والأعمش وعيسى والحسن في الموضعين بالياء على معنى يكفر اللّه ، والأول هو نون العظمة وقوله تعالى :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ
يحتمل أن يريد المصائب التي هي رزايا وخصها بالذكر بأنها الأهم على الناس والأبين أثرا في أنفسهم ، ويحتمل أن يريد جميع الحوادث من خير وشر ، وذلك أن الحكم واحد في أنها
بِإِذْنِ اللَّهِ
، والإذن في هذا الموضع عبارة عن العلم والإرادة وتمكين الوقوع ، وقوله تعالى :
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ
قال فيه المفسرون المعنى : ومن آمن وعرف أن كل شيء بقضاء اللّه وقدره ، وعلمه ، هانت عليه مصيبته وسلم الأمر للّه تعالى .
وقرأ سعيد بن جبير وطلحة بن مصرف : « نهد » بالنون ، وقرأ الضحاك : « يهد قلبه » برفع الياء . وقرأ عكرمة