« ليخرجن الأعز » بضم الياء وكسر الراء بمعنى أن العزيز يخرج الذليل ويبعده ، وقال أبو حاتم : وقرئ « لنخرجن » بنون الجماعة مفتوحة ، وضم الراء ، « الأعزّ » نصبا منها ، « الأذلّ » أيضا نصبا على الحال ، وذكرها أبو عمر الداني عن الحسن ، ورويت هذه القراءة : « لنخرجن » بضم النون وكسر الراء ، وقرأ قوم فيما حكى الفراء والكسائي ، وذكرها المهدوي : « ليخرجن الأعز منها الأذلّ » بفتح الياء وضم الراء . ونصب « الأذلّ » على الحال بمعنى : أن نحن الذين كنا أعزة سنخرج أذلاء ، وجاءت هذه الحال معرفة ، وفيها شذوذ ، وحكى سيبويه : أدخلوا الأول فالأول ، ثم أعلم تعالى أن العزة للّه وللرسول وللمؤمنين ، وفي ذلك وعيد ، وروي أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ، وكان رجلا صالحا لما سمع الآية ، جاء إلى أبيه فقال له : أنت واللّه يا أبت الذليل ، ورسول اللّه العزيز ، فلما وصل الناس إلى المدينة ، وقف عبد اللّه بن عبد اللّه على باب السكة التي يسلكها أبوه ، وجرد السيف ومنعه الدخول ، وقال : واللّه لا دخلت إلى منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعبد اللّه ابن أبي في أذل الرجال ، وبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبعث إليه أن خلّه يمض إلى منزله ، فقال : أما الآن فنعم ، فمضى إلى منزله .
قوله عزّ وجل :
[ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 9 إلى 11 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 11 )
الإلهاء الإشغال بملتذ وشهوة ، وذكر
اللَّهِ
هنا عام في الصلاة والتوحيد والدعاء ، وغير ذلك من فرض ومندوب ، وهذا قول الحسن وجماعة من المفسرين ، وقال الضحاك وعطاء وأصحابه : المراد بالذكر :
الصلاة المكتوبة ، والأول أظهر ، وكذلك قوله تعالى :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ
، قال جمهور من المتأولين :
المراد الزكاة ، وقال آخرون : ذلك عام في مفروض ومندوب . وقوله :
يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
أي علاماته ، وأوائل أمره وقوله :
لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
، طلب للكرة والإمهال ، وفي مصحف أبي بن كعب :
« أخّرتنِ » بغير ياء ، وسماه قريبا لأنه آت ، وأيضا فإنما يتمنى ذلك ليقضي فيه العمل الصالح فقط ، وليس يتسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونضرته ، وفي مصحف أبي : « فأتصدق » ، وقوله :
وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
ظاهره العموم ، فقال ابن عباس هو الحج ، وروي عنه أنه قال في مجلسه يوما : ما من رجل لا يؤدي الزكاة ولا يحج إلا طلب الكرة عند موته فقال له رجل : أما تتقي اللّه المؤمن بطلب الكرة ؟ فقال له ابن عباس :
نعم ، وقرأ الآية ، وقرأ جمهور السبعة والناس : « وأكن » بالجزم عطفا على الموضع ، لأن التقدير : « إن تؤخرني أصدق ، وأكن » ، هذا مذهب أبي علي ، فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا وهو جزم « أكن » على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني ، ولا موضع هنا ، لأن الشرط ليس بظاهر ، وإنما يعطف