تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة التغابن

قال بعض المفسرين : هي مدنية ، وقال آخرون : هي مكية ، إلا من قوله عزّ وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ . . .
[ التغابن : 14 ] إلى آخر السورة فإنه مدني . وذكر الثعلبي عن ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ما من مولود يولد إلا في تشابيك رأسه خمس آيات من فاتحة سورة التغابن . قوله عزّ وجل :

[ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 1 إلى 4 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 2 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 4 ) قوله تعالى :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
عموم معناه التنبيه ، والشيء : الموجود ، وقوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ
تعديد نعمة ، والمعنى
فَمِنْكُمْ كافِرٌ
لنعمته في الإيجاد حين لم يوجد كافر لجهله باللّه تعالى ،
وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
باللّه ، والإيمان به شكر لنعمته ، فالإشارة في هذا التأويل في الإيمان والكفر هي إلى اكتساب العبد ، هذا قول جماعة من المتأولين ، وحجتهم قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة » ، وقوله تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
[ الروم : 30 ] ، وكأن العبارة في قوله تعالى :
فَمِنْكُمْ
تعطي هذا ، وكذلك يقويه قوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
. وقيل : المعنى « خلقكم منكم مؤمن ومنكم كافر » في أصل الخلق فهي جملة في موضع الحال ، فالإشارة على هذا في الإيمان والكفر هي إلى اختراع اللّه تعالى وخلقه ، وهذا تأويل ابن مسعود وأبي ذر ، ويجري مع هذا المعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن أحدكم يكون في بطن أمه نطفة أربعين يوما ، ثم علقة أربعين يوما ، ثم مضغة أربعين يوما ، ثم يجيء الملك فيقول يا رب : أذكر أم أنثى ؟ أشقي أم سعيد ؟ فما الرزق فما الأجل ؟ فيكتب ذلك في بطن أمه » فقوله في الحديث : « أشقي أم سعيد » هو في هذه الآية :
فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
ويجري مع هذا المعنى قوله في الغلام الذي قتله الخضر : إنه طبع يوم طبع كافرا ، وما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال : « خلق اللّه فرعون في البطن كافرا وخلق يحيى بن زكرياء مؤمنا » وقال عطاء بن
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 317 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى