تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
فنزلت هذه السورة عند ذلك ، فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في زيد وقال له : « لقد صدقك اللّه يا زيد ووفت أذنك » ، فخزي عند ذلك عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، ومقته الناس ، ولامه المؤمنون من قومه وقال بعضهم : امض إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واعترف بذنبك يستغفر لك ، فلوى رأسه إنكارا لهذا الرأي ، وقال لهم : لقد أشرتم عليّ بأن أعطي زكاة من مالي ففعلت ، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد . قال القاضي أبو محمد : فهذا هو قصص هذه السورة موجزا ، و « تعال » نداء يقتضي لفظه أنه دعاء الأعلى للأسفل ، ثم استعمل لكل داع لما فيه من حسن الأدب . وقرأ نافع والمفضل عن عاصم « لووا » بتخفيف الواو ، وهي قراءة الحسن بخلاف ومجاهد ، وأهل المدينة ، وقرأ الباقون وأبو جعفر والأعمش : « لوّوا » بشد الواو على تضعيف المبالغة ، وهي قراءة طلحة وعيسى وأبي رجاء وزر والأعرج ، وقرأ بعض القراء هنا : « يصدون » بكسر الصاد ، والجمهور بضمها ، وقوله تعالى :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ
الآية ، روي أنه لما نزلت :
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
[ التوبة : 80 ] ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لأزيدن على السبعين » ، وفي حديث آخر : « لو علمت أني إن زدت على السبعين غفر لهم لزدت » ، فكأنه عليه السلام رجا أن هذا الحد ليس على جهة الحتم جملة ، بل على أن ما يجاوزه يخرج عن حكمه ، فلما فعل ابن أبي وأصحابه ما فعلوا شدد اللّه تعالى عليهم في هذه السورة ، وأعلم أنه لن يغفر لهم دون حد في الاستغفار ، وفي قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لو أعلم أني إن زدت غفر لهم » نص على رفض دليل الخطاب . وقرأ جمهور الناس : « استغفرت » بالقطع وألف الاستفهام ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع : « آستغفرت » بمدّ على الهمزة وهي ألف التسوية ، وقرأ أيضا : بوصل الألف دون همز على الخبر ، وفي هذا كله ضعف لأنه في الأولى : أثبت همزة الوصل ، وقد أغنت عنها همزة الاستفهام ، وفي الثانية : حذف همزة الاستفهام وهو يريدها وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر . وقوله تعالى :
هُمُ الَّذِينَ
أشار عبد اللّه بن أبي ومن قال بقوله ، قاله علي بن سليمان ثم سفه أحلامهم في أن ظنوا إنفاقهم هو سبب رزق المهاجرين ونسوا أن جريان الرزق بيد اللّه تعالى ، إذا انسد باب انفتح غيره ، وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي : « حتى ينفضوا » بضم الياء وتخفيف الفاء ، يقال : « أنفض » الرجل إذا فني طعامه فنفض وعاءه والخزائن موضع الإعداد ، ونجد القرآن قد نطق في غير موضع بالخزائن ونجد في الحديث : « خزنة الربح » وفي القرآن :
مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ
[ النور : 43 ] ، فجائز أن تكون هذه عبارة عن القدرة وأن هذه الأشياء إيجادها عند ظهورها جائز . وهو الأظهر . إن منها أشياء مخلوقة موجودة يصرفها اللّه تعالى حيث شاء ، وظواهر ألفاظ الشريعة تعطي هذا . ومعناه في التفسير قال عتت على الخزان ، وفي الحديث : « ما انفتح من خزائن الربح على قوم عاد إلا قدر حلقة الخاتم ، ولو انفتح مقدار منخر الثور لهلكت الدنيا » ، وقال رجل لحاتم الأصم : من أين تأكل ، فقرأ :
وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، وقال الجنيد :
خَزائِنُ
السماء : الغيوب ، و
خَزائِنُ
الأرض : القلوب : وقرأ الجمهور :
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 314 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى