يوالهم غيره بتلطف لهم ، ولا اشترك معه أحد في هذا الحكم ، ويحتمل أن يعود الضمير في
لَهُمْ
على معاصري رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الكفار ومشاقيه ، وتكون الآية اعتراضا بتهديد ، وقرأ الجمهور « ولا يشرك في حكمه أحدا » بالياء من تحت على معنى الخبر عن اللّه تعالى ، وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري « ولا تشرك » بالتاء من فوق ، على جهة النهي للنبي عليه السلام ، ويكون قوله « ولا تشرك » عطفا على
أَبْصِرْ
وَأَسْمِعْ
، وقرأ مجاهد « ولا يشرك » بالياء من تحت وبالجزم ، قال يعقوب لا أعرف وجهه ، وحكى الطبري عن الضحاك بن مزاحم أنه قال : نزلت هذه الآية :
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ
فقط ، فقال الناس هي أشهر أم أيام أم أعوام ؟ فنزلت
سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
وأما هل دام أهل الكهف وبقيت أشخاصهم محفوظة بعد الموت ؟ فاختلفت الروايات في ذلك ، فروي عن ابن عباس أنه مر بالشام في بعض غزواته ، مع ناس على موضع الكهف وجبله ، فمشى الناس إليه ، فوجدوا عظاما ، فقالوا هذه عظام أصحاب الكهف ، فقال لهم ابن عباس : أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة فسمعه راهب ، فقال ما كنت أحسب أن أحدا من العرب يعرف هذا ، فقيل له هذا ابن عم نبينا فسكت ، وروت فرقة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قال ليحجن عيسى ابن مريم ومعه أصحاب الكهف ، فإنهم لم يحجوا بعد .
قال القاضي أبو محمد : وبالشام على ما سمعت من ناس كثير ، كهف كان فيه موتى ، يزعم محاويه أنهم أصحاب الكهف ، وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ، ومعهم كلب رمة ، وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة ، كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة ، وأكثرهم قد انجرد لحمه ، وبعضهم متماسك ، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم إشارة ، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف ، دخلت إليهم فرأيتهم سنة أربع وخمسمائة ، وهم بهذه الحالة ، وعليهم مسجد ، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم ، كأنه قصر محلق قد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض حزنة وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس ، وجدنا في آثارها غرائب في قبور ونحوها .
قال القاضي أبو محمد : وإنما استسهلت ذكر هذا مع بعده لأنه عجب يتخلد ذكره ما شاء اللّه عزّ وجل ، وقوله
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ
الآية ، من قرأ « ولا تشرك » بالنهي ، عطف قوله
وَاتْلُ
عليه ، ومن قرأ « ولا يشرك » ، جعل هذا أمرا بدئ به كلام آخر ليس من الأول ، وكأن هذه الآية ، في معنى الإعتاب للنبي عليه السلام ، عقب العتاب الذي كان تركه الاستثناء ، كأنه يقول هذه أجوبة الأسئلة فاتل وحي اللّه إليك ، أي اتبع في أعمالك ، وقيل اسرد بتلاوتك ما أوحي إليك من كتاب ربك ، لا نقض في قوله ، و
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
، وليس لك سواه جانب تميل إليه ، وتستند ، و « الملتحد » : الجانب الذي يمال إليه ، ومعنى اللحد كأنه الميل في أحد شقي القبر ، ومنه الإلحاد في الحق ، وهو الميل عن الحق ، ولا يفسر قوله
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
أمر النسخ لأن المعنى : إما أن يكون لا مبدل سواه فتبقى الكلمات على الإطلاق ، وإما أن يكون أراد من « الكلمات » الخبر ونحوه ، مما لا يدخله نسخ ، والإجماع أن الذي لا يتبدل هو الكلام القائم بالذات الذي بحسبه يجري القدر . فأما الكتب المنزلة فمذهب ابن عباس أنها لا تبدل إلا بالتأويل .