تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
قال قتادة ومطر الوراق وغيرهما
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ
الآية حكاية عن بني إسرائيل أنهم قالوا ذلك ، واحتجا بأن قراءة عبد اللّه بن مسعود ، وفي مصحفه : « وقالوا لبثوا في كهفهم » ، وذلك عند قتادة ، على غير قراءة عبد اللّه ، عطف على
وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ
[ الكهف : 22 ] ، ذكره الزهراوي ، ثم أمر اللّه نبيه بأن يرد العلم إليه ردا على مقالهم وتقييدا له ، قال الطبري : وقال بعضهم : لو كان ذلك خبرا من اللّه ، لم يكن لقوله
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
وجه مفهوم . قال القاضي أبو محمد : أين ذهب بهذا القائل ، وما الوجه المفهوم البارع إلا أن تكون الآية خبرا عن لبثهم ، ثم قيل لمحمد صلى اللّه عليه وسلم
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
فخبره هذا هو الحق من عالم الغيب فليزل اختلافكم أيها المخرصون ، وقال المحققون : بل قوله تعالى :
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ
الآية خبر من اللّه تعالى عن مدة لبثهم ، ثم اختلف في معنى قوله بعد الإخبار
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
فقال الطبري : إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال بعضهم إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ، فأخبر اللّه نبيه أن هذه المدة في كونهم نياما ، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر ، فأمره اللّه أن يرد علم ذلك إليه فقوله على هذا التأويل
لَبِثُوا
الأول ، يريد في نوم الكهف ، و
لَبِثُوا
الثاني : يريد بعد الإعثار موتى إلى مدة محمد عليه السلام ، إلى وقت عدمهم بالبلى ، على الاختلاف الذي سنذكره بعد ، وقال بعضها إنه لما قال :
وَازْدَادُوا تِسْعاً
لم يدر الناس أهي ساعات ، أم أيام ، أم جمع ، أم شهور ، أم أعوام . واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك ، فأمره اللّه برد العلم إليه ، يريد في التسع فهي على هذا مبهمة ، وظاهر كلام العرب والمفهوم منه أنها أعوام ، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير ، وقد بقيت من الحواريين بقية ، وحكى النقاش ما معناه : أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم ، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع ، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية ، فهذه الزيادة هي ما بين الحسابين ، وقرأ الجمهور « ثلاثمائة سنين » بتنوين مائة ونصب « سنين » على البدل من « ثلاثمائة » ، وعطف البيان ، وقيل على التفسير والتمييز وقرأ حمزة والكسائي ويحيى وطلحة والأعمش بإضافة « مائة » إلى « سنين » ، وترك التنوين ، وكأنهم جعلوا « سنين » بمنزلة سنة ، إذ المعنى بهما واحد قال أبو علي : إذ هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب ، قد تضاف إلى الجموع ، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة ، وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود : « ثلاثمائة سنة » ، وقرأ الضحاك « ثلاثمائة سنون » ، بالواو ، وقرأ أبو عمرو بخلاف : « تسعا » بفتح التاء ، وقرأ الجمهور « تسعا » بكسر التاء ، وقوله
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ
أي ما أبصره وأسمعه . قال قتادة : لا أحد أبصر من اللّه ولا أسمع ، وهذه عبارات عن الإدراك ، ويحتمل أن يكون المعنى : أبصر به أي بوحيه وإرشاده هداك وحججك والحق من الأمور . وأسمع به العالم ، فتكون أمرين ، لا على وجه التعجب ، وقوله
ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ
يحتمل أن يعود الضمير في
لَهُمْ
على أصحاب الكهف ، أي هذه قدرته وحده ، لم
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 510 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى