شيئا أدنى شبها « بالمهل » من هذا ، يريد أدنى شبها بشراب أهل النار ، وقالت فرقة « المهل » : الصديد والدم إذا اختلطا ، ومنه قول أبي بكر الصديق في الكفن : « إنما هو للمهلة » ، يريد لما يسيل من الميت في قبره ، ويقوى هذا بقوله
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
[ إبراهيم : 16 ] الآية . وقوله
يَشْوِي الْوُجُوهَ
روي في معناه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال تقرب الشربة من الكافر ، فإذا دنت منه تكرهها ، فإذا دنت أكثر شوت وجهه ، وسقطت فيها فروة وجهه ، وإذا شرب تقطعت أمعاؤه . و « المرتفق » ، الشيء الذي يرتفق به أي يطلب رفقه ، و « المرتفق » الذي هو المتكأ أخص من هذا الذي في الآية ، لأنه في شيء واحد من معنى الرفق ، على أن الطبري قد فسر الآية به ، والأظهر عندي أن يكون « المرتفق » بمعنى الشيء الذي يطلب رفقه باتكاء وغيره ، وقال مجاهد « المرتفق » المجتمع كأنه ذهب بها إلى موضع الرفاقة ، ومنه الرفقة ، وهذا كله راجع إلى الرفق ، وأنكر الطبري أن يعرف لقول مجاهد معنى ، والقول بين الوجه ، واللّه المعين .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 30 إلى 31 ]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ( 30 ) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ( 31 )
قوله عزّ وجل :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
اعتراض مؤكد للمعنى ، مذكر بإفضال اللّه ، منبه على حسن جزائه بين قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
وقوله
أُولئِكَ
، فقوله تعالى :
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ
ابتداء وخبر جملة ، هي خبر
إِنَّ
الأولى ، ونحو هذا من الاعتراض قول الشاعر : [ البسيط ]
إن الخليفة إن اللّه ألبسه * سربال ملك به ترجى الخواتيم
قال الزجاج : ويجوز أن يكون خبر إن في قوله
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
لأن المحسنين هم المؤمنون فكأن المعنى : لا يضيع أجرهم .
قال القاضي أبو محمد : ومذهب سيبويه أن الخبر في قوله
لا نُضِيعُ
على حذف العائد تقديره ،
مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
منهم ، و « العدن » : الإقامة ، ومنه المعدن ، لأن حجره مقيم فيه ثابت ، وقوله
مِنْ تَحْتِهِمُ
يريد من تحت غرفهم ، ومبانيهم ، وقرأ الجمهور « من أساور » وروى أبان عن عاصم « أسورة » من غير ألف ، وبزيادة هاء . وواحد الأساور إسوار ، حذفت الياء من الجمع لأن الباب أساوير ، وهي ما كان من الحلي في الذراع . وقيل
أَساوِرَ
جمع أسورة ، وأسورة جمع سوار ، وإنما الإسوار بالفارسية القائد ونحوه ويقال في حلي الذراع أسوار ، ذكره أبو عبيدة معمر ومنه قول الشاعر : [ الرجز ]
واللّه لولا صبية صغار * كأنما وجوههم أقمار
تضمهم من العتيك دار * أخاف أن يصيبهم إقتار