تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
يرمي الموضع المشكل المجهول عنده بظنه المرة بعد المرة ، يرجمه به عسى أن يصيب ، ومن هذا هو الترجمان وترجمة الكتاب ، ومنه قول زهير : [ الطويل ]
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم * وما هو عنها بالحديث المرجم
والواو في قوله
وَثامِنُهُمْ
طريق النحويين فيها أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم ، لتفصل أمرهم ، وتدل على أن هذا نهاية ما قيل ، ولو سقطت لصح الكلام . وتقول فرقة منها ابن خالويه : هي واو الثمانية ، وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أن قريشا كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية تسعة ، فتدخل الواو في الثمانية . قال القاضي أبو محمد : وقد تقدم شرحها ، وهي في القرآن في قوله
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[ التوبة : 112 ] وفي قوله
وَفُتِحَتِ
[ النبأ : 19 ] ، وأما قوله تعالى :
ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
[ التحريم : 5 ] ، وقوله
سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ
[ الحاقة : 7 ] فتوهم في هذين الموضعين أنها واو الثمانية وليست بها بل هي لازمة لا يستغني الكلام عنها ، وقد أمر اللّه تعالى نبيه عليه السلام في هذه الآية أن يرد علم « عدتهم » إليه عزّ وجل ، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل ، والمراد به قوم من أهل الكتاب ، وكان ابن عباس يقول : أنا من ذلك القليل ، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، ويستدل على هذا من الآية : بأن القرآن لما حكى قول من قال « ثلاثة وخمسة » قرن بالقول أنه رجم بالغيب فقدح ذلك فيها ، ثم حكى هذه المقالة ولم يقدح فيها بشيء ، بل تركها مسجلة ، وأيضا فيقوي ذلك على القول بواو الثمانية لأنها إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح ، وقوله تعالى :
فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً
معناه على بعض الأقوال ، أي بظاهر ما أوحيناه إليك ، وهو رد علم عدتهم إلى اللّه تعالى ، وقيل معنى « الظاهر » أن يقول ليس كما تقولون ، ونحو هذا ، ولا يحتج هو على أمر مقرر في ذلك فإن ذلك يكون مراء في باطن من الأمر ، وقال التبريزي :
ظاهِراً
معناه ذاهبا ، وأنشد : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها . ولم يبح له في هذه الآية أن يماري ، ولكن قوله
إِلَّا مِراءً
استعارة من حيث يماريه أهل الكتاب ، سميت مراجعته لهم
مِراءً
، ثم قيد بأنه ظاهر ، ففارق المراء الحقيقي المذموم . و « المراء » مشتق من المرية ، وهو الشك ، فكأنه المشاككة ، والضمير في قوله
فِيهِمْ
عائد على أهل الكهف ، وفي قوله
مِنْهُمْ
عائد على أهل الكتاب المعاصرين ، وقوله
فَلا تُمارِ فِيهِمْ
يعني في عدتهم ، وحذفت العدة لدلالة ظاهر القول عليها ، وقوله
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ
الآية ، عاتب اللّه تعالى فيها نبيه عليه السلام على قوله للكفار غدا أخبركم بجواب أسئلتكم ، ولم يستثن في ذلك ، فاحتبس عنه الوحي خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه ، وأرجف الكفار به ، فنزلت عليه هذه السورة مفرجة ، وأمر في هذه الآية أن يقول في أمر من الأمور : إني أفعل غدا كذا وكذا إلا وأن يعلق ذلك بمشيئة اللّه عزّ وجل ، واللام في قوله
لِشَيْءٍ
بمنزلة في أو كأنه قال لأجل شيء ، وقوله
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ، ويحسنه الإيجاز ، تقديره : إلا أن تقول إلا أن يشاء اللّه ، أو إلا أن تقول إن شاء اللّه ، فالمعنى إلا أن تذكر مشيئة اللّه ، فليس
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
من القول الذي نهي عنه وقالت فرقة : قوله
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
استثناء من قوله
وَلا