تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
عِوَجاً
يعم هذا وجميع ما ذكره الناس من أنه لا تناقض فيه ومن أنه لا خلل ولا اختلاف فيه . وقوله
قَيِّماً
نصب على الحال من
الْكِتابَ
، فهو بمعنى التقديم ، مؤخر في اللفظ ، أي أنزل الكتاب قيما ، واعترض بين الحال وذي الحال قوله :
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
وذكر الطبري هذا التأويل عن ابن عباس ، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر تقديره أنزله أو جعله
قَيِّماً
، وفي بعض مصاحف الصحابة « ولم يجعل له عوجا لكن جعله قيما » قاله قتادة ، ومعنى « قيم » مستقيم ، هذا قول ابن عباس والضحاك ، وقيل معناه أنه قيم على سائر الكتب بتصديقها ، ذكره المهدوي ، وهذا محتمل وليس من الاستقامة ويصح أن يكون معنى « قيم » قيامه بأمر اللّه عزّ وجل على العالم ، وهذا المعنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة اللذين عما العالم . و « البأس الشديد » عذاب الآخرة ، ويحتمل أن يندرج معه في النذارة عذاب الدنيا ببدر وغيرها ، ونصبه على المفعول الثاني ، والمعنى لينذر العالم ، وقوله
مِنْ لَدُنْهُ
أي من عنده ومن قبله ، والضمير في
لَدُنْهُ
عائد على اللّه تعالى ، وقرأ الجمهور من « لدنه » بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر « من لدنه » بسكون الدال وإشمام الضم فيها وكسر النون والهاء ، وفي « لدن » لغات ، يقال « لدن » مثل سبع ، « ولدن » بسكون الدال « ولدن » بضم اللام ، « ولدن » بفتح اللام والدال وهي لفظة مبنية على السكون ، ويلحقها حذف النون مع الإضافة ، وقرأ عبد اللّه وطلحة « ويبشر » بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين ، وقوله
أَنَّ لَهُمْ أَجْراً
تقديره بأن لهم أجرا ، والأجر الحسن نعيم الجنة ، ويتقدمه خير الدنيا ، و ،
ماكِثِينَ
حال من الضمير في
لَهُمْ
و
أَبَداً
ظرف لأنه دال على زمن غير متناه . قال القاضي أبو محمد : وقد أشرت في تفسير هذه الآية إلى أمر اليهود قريشا بسؤال النبي صلى اللّه عليه وسلم عن المسائل الثلاث ، وينبغي أن تنص كيف كان ذلك . ذكر ابن إسحاق عن ابن عباس بسند ، أنه قال : بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ، إلى أحبار يهود بالمدينة ، فقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء ، فخرجا حتى أتيا المدينة ، فسألا أحبار اليهود عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وما كان من أمرهم ؟ فإنه كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح . فأقبل النضر وعقبة إلى مكة وسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، وكان الأمر ما ذكرناه ، وقوله
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ
الآية ، أهل هذه المقالة هم بعض اليهود في عزير ، والنصارى في المسيح ، وبعض العرب في الملائكة ، والضمير في
بِهِ
يحتمل أن يعود على القول الذي يتضمنه
قالُوا
المتقدم ، وتكون جملة قوله
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ
في موضع الحال ، أي قالوا جاهلين ، ويحتمل أن يعود على « الولد » الذي ادعوه ، فتكون الجملة صفة للولد ، قاله المهدوي ، وهو معترض لأنه لا يصفه إلا القائل ، وهم ليس في قصدهم أن يصفوه ، والصواب عندي أنه نفي مؤتنف أخبر اللّه تعالى بجهلهم في ذلك ، فلا موضع للجملة من الإعراب ، ويحتمل أن يعود على اللّه عزّ وجل ، وهذا التأويل أذم لهم وأقضى بالجهل التام عليهم ، وهو قول الطبري . وقوله
وَلا لِآبائِهِمْ
يريد الذين أخذ هؤلاء هذه المقالة عنهم ،
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 495 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى