تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم وحض لكل من ترسم بالعلم وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه الرتبة ، وحكى الطبري عن التميمي أنه قال : إن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه ، لأن اللّه تعالى نعت العلماء ، ثم تلا هذه الآية كلها ، وقوله
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
سبب نزول هذه الآية أن المشركين سمعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو « يا اللّه يا الرحمن » ، فقالوا كان محمد أمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين ، قاله ابن عباس ، وقال مكحول : تهجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة ، فقال في دعائه « يا رحمن يا رحيم » ، فسمعه رجل من المشركين ، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن ، فقال ذلك السامع : ما بال محمد يدعو رحمن اليمامة ، فنزلت مبينة أنها لمسمى واحد ، فإن دعوتموه باللّه فهو ذلك ، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذلك ، وقرأ طلحة بن مصرف « أيّا ما تدعوا فله الأسماء » ، أي وله سائر الأسماء الحسنى ، أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وهي بتوقيف ، لا يصح وضع اسم اللّه بنظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث ، وقد روي أن للّه تسعة وتسعين اسما ؛ الحديث ، ونصها كلها الترمذي وغيره بسند ، وتقدير الآية أي الأسماء تدعوا به فأنت مصيب له الأسماء الحسنى ، ثم أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن « لا يجهر » بصلاته وأن « لا يخافت بها » ، وهو الإسرار الذي لا يسمعه المتكلم به ، هذه هي حقيقته ، ولكنه في الآية عبارة عن خفض الصوت وإن لم ينته إلى ما ذكرناه ، واختلف المتأولون في الصلاة ما هي ؟ فقال ابن عباس وعائشة وجماعة : هي الدعاء ، وقال ابن عباس أيضا : هي قراءة القرآن في الصلاة ، فهذا على حذف مضاف ، التقدير
وَلا تَجْهَرْ
بقراءة صلاتك ، قال : والسبب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جهر بالقرآن فسمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالوسط ، ليسمع أصحابه المصلون معه ، ويذهب عنه أذى المشركين ، قال ابن سيرين : كان الأعراب يجهرون بتشهدهم ، فنزلت الآية في ذلك ، وكان أبو بكر رضي اللّه عنه يسر قراءته ، وكان عمر يجهر بها ، فقيل لهما في ذلك ، فقال أبو بكر : إنما أناجي ربي وهو يعلم حاجتي ، وقال عمر أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان ، فلما نزلت هذه الآية ، قيل لأبي بكر : ارفع أنت قليلا ، وقيل لعمر اخفض أنت قليلا ، وقالت عائشة أيضا : « الصلاة » يراد بها في هذه الآية التشهد ، وقال ابن عباس والحسن : المراد والمعنى : ولا تحسن صلاتك في الجهر ولا تسئها في السر ، بل اتبع طريقا وسطا يكون دائما في كل حالة ، وقال ابن زيد : معنى الآية النهي عما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحيانا فيرفع الناس معه ، ويخفض أحيانا فيسكت من خلفه ، وقال ابن عباس في الآية : إن معناها
وَلا تَجْهَرْ
بصلاة النهار
وَلا تُخافِتْ
بصلاة الليل ، واتبع سبيلا من امتثال الأمر كما رسم لك ، ذكره يحيى بن سلام والزهراوي ، وقال عبد اللّه بن مسعود لم يخافت من أسمع أذنيه ، وما روي من أنه قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلا يرد هذا ، ولكن الذي قال ابن مسعود هو أصل اللغة ، ويستعمل الخفوت بعد ذلك في ارفع من ذلك ، وقوله تعالى :
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
الآية ، هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذا : عزير وعيسى