تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
ولم يبق سوى العدوا * ن دناهم كما دانوا
وسأل إبليس « النظرة إلى يوم البعث » فأعطاه اللّه إياها إلى « وقت معلوم » ، واختلف فيه فقيل إلى يوم القيامة أي يكون آخر من يموت من الخلق ، قاله الطبري وغيره وقيل إلى وقت غير معين ولا مرسوم بقيامة ولا غيرها ، بل علمه عند اللّه وحده ، وقيل بل أمره كان إلى يوم بدر وأنه قتل يوم بدر . قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان روي فهو ضعيف ، والمنظر المؤخر ، وقوله
رَبِّ
مع كفره يخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق ، وهو الظاهر من حاله وما تقتضيه فيه الآيات والأحاديث ، وهذا لا يدفع في صدر كفره ، وقوله
بِما أَغْوَيْتَنِي
قال أبو عبيدة وغيره أقسم بالإغواء . قال القاضي أبو محمد : كأنه جعله بمنزلة قوله « رب » بقدرتك علي وقضائك ويحتمل أن تكون باء سبب ، كأنه قال « رب » واللّه لأغوينهم بسبب إغوائك لي ومن أجله وكفاء له . ويحتمل أن يكون المعنى تجلدا منه ومبالغة في الجد أي بحالي هذه وبعدي عن الخير واللّه لأفعلن ولأغوين ، ومعنى
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
أي الشهوات والمعاصي ، والضمير في
لَهُمْ
لذرية آدم وإن كان لم يجر لهم ذكر ، فالقصة بجملتها حيث وقعت كاملة تتضمنهم ، و « الإغواء » : الإضلال ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج « المخلصين » بفتح اللام ، أي الذين أخلصتهم أنت لعبادتك وتقواك ، وقرأ الجمهور « المخلصين » بكسر اللام ، أي الذين أخلصوا الإيمان بك وبرسلك ، وقوله تعالى :
قالَ هذا صِراطٌ
الآية : القائل هو اللّه تعالى ، ويحتمل أن يكون ذلك بواسطة ، وقرأ الضحاك وحميد والنخعي وأبو رجاء وابن سيرين وقتادة وقيس بن عباد ومجاهد وغيرهم « علي مستقيم » من العلو والرفعة ، والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى الإخلاص لما استثني إبليس من أخلص . قال اللّه له هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت بإغوائك أهله ، وقرأ جمهور الناس « علي مستقيم » ، والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى انقسام الناس إلى غاو ومخلص ، لما قسم إبليس الناس هذين القسمين ، قال اللّه هذا طريق علي ، أي هذا أمر إلى مصيره ، والعرب تقول طريقك في هذا الأمر على فلان أي إليه يصير النظر في أمرك ، وهذا نحو قوله تعالى
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
[ الفجر : 14 ] . قال القاضي أبو محمد : الآية على هذه القراءة تتضمن وعيدا ، ثم ابتدأ الإخبار عن سلامة عباده المتقين من إبليس وخاطبه بأنه لا حجة له عليهم ولا ملكه . قال القاضي أبو محمد : والظاهر من قوله
عِبادِي
: الخصوص في أهل الإيمان والتقوى لا عموم الخلق ، وبحسب هذا يكون
إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ
مستثنى من غير الأول ، التقدير لكن من اتبعك من الغاوين لك عليهم سلطان ، وإن أخذنا العباد عاما في عباد الناس إذ لم يقرر اللّه لإبليس سلطانا على أحد فإنا نقدر الاستثناء في الأقل في القدر من حيث لا قدر للكفار ، والنظر الأول أصوب ، وإنما الغرض أن لا تقع في استثناء الأكثر من الأقل ، وإن كان الفقهاء قد جوزوه ، قال أبو المعالي ليس معروفا في استعمال العرب ، وهذه الآية أمثل ما احتج به مجوزوه . قال القاضي أبو محمد : ولا حجة لهم في الآية على ما بينته ، وقوله
جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ
أي موضع