تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
يلزمه - على هذا - أن يكون أجمعين ، يقرب من التنكير إذ هو معرفة لكونه يلزم اتباع المعارف ، والقراءة بالرفع تأبى قوله . وقوله :
إِلَّا إِبْلِيسَ
قيل : إنه استثناء من الأول ، وقيل : إنه ليس من الأول . وهذا متركب على الخلاف في
إِبْلِيسَ
، هل هو من الملائكة أم لا ؟ والظاهر - من كثير من الأحاديث ومن هذه الآية - أنه من الملائكة وذلك أن اللّه تعالى أمر الملائكة بالسجود ، ولو لم يكن إبليس من الملائكة لم يذنب في ترك السجود . وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن : أن إبليس إنما كان من قبيل الجن ولم يكن قط ملكا ؛ ونسب ابن فورك القول إلى المعتزلة ، وتعلق من قال هذا بقوله في صفته :
كانَ مِنَ الْجِنِّ
[ الكهف : 50 ] وقالت الفرقة الأخرى : لا حجة في هذا لأن الملائكة قد تسمى جنا لاستتارها وقد قال تعالى :
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
[ الصافات : 158 ] . وقوله تعالى :
قالَ : يا إِبْلِيسُ
، قيل : إنه - حينئذ - سما « إبليس » ، وإنما كان اسمه - قبل - عزازيل ، وهو من الإبلاس وهو الإبعاد ، أي يا مبعد ، وقالت طائفة : « إبليس » كان اسمه ، وليس باسم مشتق ، بل هو أعجمي ، ويقضي بذلك أنه لا ينصرف ، ولو كان عربيا مشتقا لكان كإجفيل - من أجفل - وغيره ، ولكان منصرفا ، قاله أبو علي الفارسي . وقوله :
أَلَّا تَكُونَ
« أن » في موضع نصب ، وقيل : في موضع خفض ، والأصل : ما لك ألا تكون ؟ وقول إبليس
لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ
ليس هذا موضع كفره عند الحذاق ، لأن إبايته إنما هي معصية فقط ، وأما قوله وتعليله فإنما يقتضي أن اللّه خلق خلقا مفضولا وكلف أفضل منه أن يذل له ، فكأنه قال : وهذا جور ، وذلك أن إبليس لما ظن أن النار أفضل من الطين ظن أن نفسه أفضل من آدم من النار يأكل الطين ، فقاس وأخطأ في قياسه ، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها اللّه المالك للجميع لا رب غيره . قوله عزّ وجل :

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 34 إلى 44 ]

قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 35 ) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 36 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 38 ) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ( 41 ) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 43 ) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ( 44 ) الضمير في
مِنْها
للجنة ، وإن لم يجر ذكرها في القصة تتضمنها ، ويحتمل أن يعود الضمير على ضيفة الملائكة ، وال
رَجِيمٌ
المشتوم أي المرجوم بالقول والشتم ، و
يَوْمِ الدِّينِ
يوم الجزاء ، ومنه قول الشاعر :
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 361 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى