إِذْ
نصب بإضمار فعل تقديره : اذكر إذ قال ربك ، و « البشر » هنا آدم ، وهو مأخوذ من البشرة ، وهي وجه الجلد ، في الأشهر من القول . ومنه قول النبي عليه السلام : « وافقوا البشر » . وقيل : البشرة ما يلي اللحم ، ومنه قولهم في المثل : إنما يعاتب الأديم ذو البشرة لأن تلك الجهة هي التي تبشر .
وأخبر اللّه تعالى الملائكة بعجب عندهم ، وذلك أنهم كانوا مخلوقين من نور - فهي مخلوقات لطاف - فأخبرهم : أنه لا يخلق جسما حيا ذا بشرة وأنه يخلقه
مِنْ صَلْصالٍ
.
قال القاضي أبو محمد : « والبشر » والبشارة أيضا أصلهما البشرة لأنهما فيها يظهران .
و
سَوَّيْتُهُ
معناه : كملته وأتقنته حتى استوت أجزاؤه على ما يجب ، وقوله :
مِنْ رُوحِي
إضافة خلق وملك إلى خالق مالك ، أي من الروح الذي هو لي ولفظة الروح هنا للجنس .
وقوله :
فَقَعُوا
من وقع يقع ، وفتحت القاف لأجل حرف الحلق ، وهذه اللفظة تقوي أن سجود الملائكة إنما كان على المعهود عندنا ، لا أنه خضوع وتسليم ، وإشارة ، كما قال بعض الناس ، وشبهوه بقول الشاعر [ أبي الأخزر الحماني ] : [ الطويل ]
فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها * كما سجدت نصرانة لم تحنف
وهذا البيت يشبه أن يكون السجود فيه كالمعهود عندنا .
وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس : أنه قال : خلق اللّه ملائكة أمرهم بالسجود لآدم فأبوا ، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق آخرين فأمرهم بالسجود فأطاعوا إلا إبليس فإنه كان من الأولين .
قال القاضي أبو محمد : وقول ابن عباس - من الأولين - يحتمل أن يريد في حالهم وكفرهم ، ويحتمل أن يريد : في أنه بقي منهم .
وقوله :
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
هو - عند سيبويه - تأكيد بعد تأكيد ، يتضمن الآخر ما تضمن الأول . وقال غيره :
كُلُّهُمْ
لو وقف عليه - لصلحت للاستيفاء ، وصلحت على معنى المبالغة مع أن يكون البعض لم يسجد ، وهذا كما يقول القائل : كل الناس يعرف كذا ، وهو يريد أن المذكور أمر مشتهر ، فلما قال :
أَجْمَعُونَ
رفع الاحتمال في أن يبقى منهم أحد ، واقتضى الكلام أن جميعهم سجد . وقال ابن المبرد :
لو وقف على
كُلُّهُمْ
لاحتمل أن يكون سجودهم في مواطن كثيرة ، فلما قال :
أَجْمَعُونَ
دل على أنهم سجدوا في موطن واحد .
قال القاضي أبو محمد : واعترض قول المبرد بأنه جعل قوله :
أَجْمَعُونَ
حالا . بمعنى مجتمعين ،