تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
يقتضي حضوره مع النسوة عند الملك ، وبعد هذا يقول الملك :
ائْتُونِي بِهِ
[ يوسف : 54 ] . وقالت فرقة من أهل التأويل : هذه الآية من قول امرأة العزيز ، وكلامها متصل ، أي قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه ؛ والتقدير - على هذا التأويل توبتي وإقراري ليعلم أني لم أخنه وأن اللّه لا يهدي . . . وعلى أن الكلام من يوسف يجيء التقدير : وليعلم أن اللّه لا يهدي كيد الخائنين . وقوله تعالى :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
الآية ، هذه أيضا مختلف فيها هل هي من كلام يوسف أم من كلام المرأة ، حسب التي قبلها : فمن قال من كلام يوسف روى في ذلك : عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : لما قال يوسف :
أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
قال له جبريل : ولا حين هممت وحللت سراويلك ، وقال نحوه ابن عباس وابن جبير وعكرمة والضحاك . وروي أن المرأة قالت له ذلك ، قاله السدي ، وروي أن يوسف تذكر من تلقائه ما كان هم به فقال :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
، قاله ابن عباس أيضا . ومن قال : إن المرأة قالت
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
فوجه كلامها الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات ، كأنها قالت : وما هذا ببدع ولا ذلك نكير على البشر فأبرئ أنا منه نفسي ، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه . وأمارة بناء مبالغة ، و
ما
في قوله :
إِلَّا ما رَحِمَ
مصدرية ، هذا قول الجمهور فيها ، وهو على هذا . استثناء منقطع ، أي إلا رحمة ربي . ويجوز أن تكون بمعنى « من » ، هذا على أن تكون النفس يراد بها النفوس إذ النفس تجري صفة لمن يعقل كالعين والسمع ، كذا قال أبو علي ، فتقدير الآية : إلا النفوس التي يرحمها اللّه . قال القاضي أبو محمد : وإذن النفس اسم جنس ، فصح أن تقع
ما
مكان « من » إذ هي كذلك في صفات من يعقل وفي أجناسه ، وهو نص في كلام المبرد ، وهو - عندي - معنى كلام سيبويه ، وهو مذهب أبي علي - ذكره في البغداديات . ويجوز أن تكون
ما
ظرفية ، المعنى : أن النفس لأمارة بالسوء إلا مدة رحمة اللّه العبد وذهابه عن اشتهاء المعاصي . ثم ترجى في آخر الآية بقوله :
إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
. قوله عزّ وجل :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 54 إلى 57 ]

وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 )