قرأ الجمهور : « تولّوا » بفتح اللام والتاء على معنى تتولوا ، وقرأ عيسى الثقفي والأعرج : « تولوا » بضم التاء واللام ، و « إن » شرط ، والجواب في الفاء وما بعدها من قوله
فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ
، والمعنى أنه ما علي كبير همّ منكم إن توليتم فقد برئت ساحتي بالتبليغ ، وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان .
ويحتمل أن يكون
تَوَلَّوْا
فعلا ماضيا ، ويجيء في الكلام رجوع من غيبة إلى خطاب ، أي فقل : قد أبلغكم .
وقرأ جمهور « ويستخلف » بضم الفاء على معنى الخبر بذلك ، وقرأ عاصم - فيما روى هبيرة عن حفص عنه - « ويستخلف » بالجزم عطفا على موضع الفاء من قوله
فَقَدْ
.
وقوله :
وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً
يحتمل من المعنى وجهين :
أحدهما ولا تضرونه بذهابكم وهلاككم شيئا أي لا ينتقص ملكه ، ولا يختل أمره ، وعلى هذا المعنى قرأ عبد اللّه بن مسعود : « ولا تنقصونه شيئا » .
والمعنى الآخر :
وَلا تَضُرُّونَهُ
أي ولا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء ولا على الانتصار منه ولا تقابلون فعله بكم بشيء يضره . ثم أخبرهم أن ربه
حَفِيظٌ
على كل شيء عالم به ، وفي ترديد هذه الصفات ونحوها تنبيه وتذكير ، و « الأمر » واحد الأمور ، ويحتمل أن يكون مصدر أمر يأمر ، أي أمرنا للريح أو لخزنتها ونحو ذلك ، وقوله
بِرَحْمَةٍ
، إما أن يكون إخبارا مجردا عن رحمة من اللّه لحقتهم ، وإما أن يكون قصدا إلى الإعلام أن النجاة إنما كملت بمجرد رحمة اللّه لا بأعماله ؛ فتكون الآية - على هذا - في معنى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يدخل أحد الجنة بعمله » . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه بفضل منه ورحمته » .
وقوله
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
يحتمل أن يريد : عذاب الآخرة ، ويحتمل أن يريد : وكانت النجاة المتقدمة من عذاب غليظ يريد الريح ، فيكون المقصود على هذا ، تعديد النعمة ومشهور عذابهم بالريح هو أنها كانت تحملهم وتهدم مساكنهم وتنسفها وتحمل الظعينة كما هي ونحو هذا . وحكى الزجاج أنها كانت تدخل في أبدانهم وتخرج من أدبارهم وتقطعهم عضوا عضوا . وتعدى
جَحَدُوا
بحرف جر لما نزل منزلة كفروا ، وانعكس ذلك في الآية بعد هذا ، وقوله :
وَعَصَوْا رُسُلَهُ
، شنعة عليهم وذلك أن في تكذيب رسول واحد تكذيب سائر الرسل وعصيانهم ، إذ النبوات كلها مجمعة على الإيمان باللّه والإقرار بربوبيته : ويحتمل أن يراد هود . وآدم ، ونوح و « العنيد » : فعيل من « عند » إذا عتا . ومنه قول الشاعر :
[ الرجز ] .
إني كبير لا أطيق العندا أي الصعاب من الإبل ، وكان التجبر والعناد من خلق عاد لقوتهم ، وقوله
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا