تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ
كان هذا عند نزوله من السفينة مع أصحابه للانتشار في الأرض ، و « السّلام » هنا السلامة والأمن ونحوه ، و « البركات » الخير والنمو في كل الجهات ، وهذه العدة تعم جميع المؤمنين إلى يوم القيامة ، قاله محمد بن كعب القرظي ؛ وقوله
مِمَّنْ مَعَكَ
أي من ذرية من معك ومن نسلهم ، فمن - على هذا - هي لابتداء الغاية ، أي من هؤلاء تكون هذه الأمم ، ومن موصولة ، وصلتها
مَعَكَ
وما يتقدر معها نحو قولك : ممن استقر معك ونحوه ثم قطع قوله :
وَأُمَمٌ
على وجه الابتداء إذ كان أمرهم مقطوعا من الأمر الأول ، وهؤلاء هم الكفار إلى يوم القيامة . وقوله تعالى :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ
الآية إشارة إلى القصة ، أي هذه من الغيوب التي تقادم عهدها ولم يبق علمها إلا عند اللّه تعالى ، ولم يكن علمها أو علم أشباهها عندك ولا عند قومك ، ونحن نوحيها إليك لتكون لك هداية وأسوة فيما لقيه غيرك من الأنبياء ، وتكون لقومك مثالا وتحذيرا ، لئلا يصيبهم إذا كذبوك مثل ما أصاب هؤلاء وغيرهم من الأمور المعذبة . قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا المعنى ظهرت فصاحة قوله :
فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
، أي فاجتهد في التبليغ وجد في الرسالة واصبر على الشدائد واعلم أن العاقبة لك كما كانت لنوح في هذه القصة . وفي مصحف ابن مسعود : « من قبل هذا القرآن » . قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 50 إلى 52 ]

وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ( 50 ) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 51 ) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ( 52 )
وَإِلى عادٍ
عطف على قوله
إِلى قَوْمِهِ
[ هود : 25 ] في قصة نوح ، و
عادٍ
قبيلة وكانت عربا - فيما ذكر - و « هود » عليه السّلام منهم ، وجعله
أَخاهُمْ
بحسب النسب والقرابة ؛ فإن فرضناه ليس منهم فالأخوة بحسب المنشأ واللسان والجيرة . وأما قول من قال هي أخوة بحسب النسب الآدمي فضعيف . وقرأ جمهور الناس : « يا قوم » بكسر الميم ، وقرأ ابن محيصن : « يا قوم » برفع الميم ، وهي لغة حكاها سيبويه ، وقرأ جمهور الناس : « غيره » بالرفع على النعت أو البدل من موضع قوله :
مِنْ إِلهٍ
. وقرأ الكسائي وحده بكسر الراء ، حملا على لفظ :
إِلهٍ
وذلك أيضا على النعت أو البدل ويجوز « غيره » نصبا على الاستثناء . و
مُفْتَرُونَ
معناه كاذبون أفحش كذب في جعلكم الألوهية لغير اللّه تعالى ، والضمير في قوله :
عَلَيْهِ
عائد على الدعاء إلى اللّه تعالى ، والمعنى : ما أجري وجزائي إلا من عند اللّه ، ثم وصفه بقوله
الَّذِي فَطَرَنِي
فجعلها صفة رادة عليهم في عبادتهم الأصنام واعتقادهم أنها تفعل ، فجعل الوصف