قال القاضي أبو محمد : فأما أن يكون لفظ
مَرْجُوًّا
بمعنى حقير فليس ذلك في كلام العرب ، وإنما يتجه ذلك على جهة التفسير للمعنى ، وذلك أن القصد بقولهم :
مَرْجُوًّا
يكون : لقد كنت فينا سهلا مرامك قريبا رد أمرك ، ممن لا يظن أن يستفحل من أمره مثل هذا فمعنى « مرجو » أي مرجو اطراحه وغلبته ونحو هذا ، فيكون ذلك على جهة الاحتقار ، فلذلك فسر بحقير ، ويشبه هذا المعنى قول أبي سفيان بن حرب : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة . . . الحديث ؛ ثم يجيء قولهم :
أَ تَنْهانا
على جهة التوعد والاستشناع لهذه المقالة منه .
و
ما يَعْبُدُ آباؤُنا
يريدون به الأوثان والأصنام ، ثم أوجبوا أنهم في شك من أمره وأقاويله ، وأن ذلك الشك يرتابون به زائدا إلى مرتبته من الشك قال القاضي : ولا فرق بين هذه الحال وبين حالة التصميم على الكفر ، و
مُرِيبٍ
معناه ملبس متهم ، ومنه قول الشاعر : [ الرجز ]
يا قوم ما بال أبي ذؤيب * كنت إذا أتيته من غيب
يشم عطفي ويمس ثوبي * كأنني أربته بريب
قوله عزّ وجل :
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 63 إلى 65 ]
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ( 63 ) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ( 64 ) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( 65 )
قوله :
أَ رَأَيْتُمْ
هو من رؤية القلب ، أي أتدبرتم ؟ والشرط الذي بعده وجوابه يسد مسد مفعولي
أَ رَأَيْتُمْ
؛ و « البينة » : البرهان واليقين ، والهاء في « بيّنة » للمبالغة ، ويحتمل أن تكون هاء تأنيث ، و « الرحمة » في هذه الآية : النبوة وما انضاف إليها ، وفي الكلام محذوف تقديره أيضرني شككم أو أيمكنني طاعتكم ونحو هذا مما يليق بمعنى الآية .
وقوله
فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ
معناه : فما تعطونني فيما أقتضيه منكم من الإيمان وأطلبكم به من الإنابة غير تخسير لأنفسكم ، وهو من الخسارة ، وليس التخسير في هذه الآية إلا لهم وفي حيزهم ، وأضاف الزيادة إليه من حيث هو مقتض لأقوالهم موكل بإيمانهم ، كما تقول لمن توصيه : أنا أريد بك خيرا وأنت تريد بي شرا .
فكأن الوجه البيّن ؛ وأنت تزيد شرا ولكن من حيث كنت مريد خير به ومقتضي ذلك - حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك .
وقوله تعالى :
وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ
الآية ، اقتضب في هذه الآية ذكر أول أمر الناقة ، وذلك أنه