تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
بذلك في درج كلامه ، منبها على أفعال اللّه تعالى ، وأنه هو الذي يستحق العبادة ، و « فطر » معناه اخترع وأنشأ ، وقوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
توقيف على مجال القول بأن غير الفاطر إله ، ويحتمل أن يريد :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
إذ لم أطلب عرضا من أعراض الدنيا إني إنما أريد النفع لكم والدار الآخرة ؛ والأول أظهر ، و « الاستغفار » طلب المغفرة ، وقد يكون ذلك باللسان ، وقد يكون بإنابة القلب وطلب الاسترشاد والحرص على وجود المحجة الواضحة ، وهذه أحوال يمكن أن تقع من الكفار ، فكأنه قال لهم : اطلبوا غفران اللّه بالإنابة ، وطلب الدليل في نبوتي ، ثم توبوا بالإيمان من كفركم ، فيجيء الترتيب على هذا مستقيما وإلا احتيج في ترتيب التوبة بعد الاستغفار إلى تحيل كثير فإما أن يكون :
تُوبُوا
أمرا بالدوام ، و « الاستغفار » طلب المغفرة بالإيمان ، وإلى هذا ذهب الطبري ، وقال أبو المعالي في الإرشاد : « التوبة » في اصطلاح المتكلمين هي الندم ، بعد أن قال : إنها في اللغة الرجوع ، ثم ركب على هذا أن قال إن الكافر إذا آمن ليس إيمانه توبة وإنما توبته ندمه بعد . قال القاضي أبو محمد : والذي أقول : إن التوبة عقد في ترك متوب منه يتقدمها علم بفساد المتوب منه وصلاح ما يرجع إليه ، ويقترن بها ندم على فارط المتوب منه لا ينفك منه وهو من شروطها ؛ فأقول إن إيمان الكافر هو توبته من كفره ، لأنه هو نفس رجوعه ، و « تاب » في كلام العرب معناه رجع إلى الطاعة والمثلى من الأمور ، وتصرف اللفظة في القرآن ب « إلى » يقتضي أنها الرجوع لا الندم ، وإنما لا حق لازم للتوبة كما قلنا ، وحقيقة التوبة ترك مثل ما تيب منه عن عزمة معتقدة على ما فسرناه ، واللّه المستعان . و
مِدْراراً
هو بناء تكثير وكان حقه أن تلحقه هاء ، ولكن حذفت على نية النسب وعلى أن
السَّماءَ
المطر نفسه ، وهو من در يدر ؛ ومفعال قد يكون من اسم الفاعل الذي هو من ثلاثي ، ومن اسم الفاعل الذي هو من رباعي : وقول من قال : إنه ألزم للرباعي غير لازم . ويروي أن عادا كان اللّه تعالى قد حبس عنها المطر ثلاث سنين ، وكانوا أهل حرث وبساتين وثمار ، وكانت بلادهم شرق جزيرة العرب ، فلهذا وعدهم بالمطر ، ومن ذلك فرحهم حين رأوا العارض ، وقولهم :
هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا
[ الأحقاف : 24 ] وحضهم على استنزال المطر بالإيمان والإنابة ، وتلك عادة اللّه في عباده ، ومنه قول نوح عليه السّلام « استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا » ، ومنه فعل عمر رضي اللّه حين جعل جميع قوله في الاستسقاء ودعائه استغفارا فسقي ، فسئل عن ذلك ، فقال : لقد استنزلت المطر بمجاديح السماء . وقوله :
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ
، ظاهره العموم في جميع ما يحسن اللّه تعالى فيه إلى العباد ، وقالت فرقة : كان اللّه تعالى قد حبس نسلهم ، فمعنى قوله :
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ
أي الولد ، ويحتمل أن خص القوة بالذكر إذ كانوا أقوى العوالم فوعدوا بالزيادة فيما بهروا فيه ، ثم نهاهم عن التولي عن الحق والإعراض عن أمر اللّه . و
مُجْرِمِينَ
حال من الضمير في
تَتَوَلَّوْا
. قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 53 إلى 56 ]

قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 53 ) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 54 ) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ( 55 ) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 )