تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 38 إلى 40 ]

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 40 ) التقدير : فشرع يصنع فحكيت حال الاستقبال ، إذ في خلالها وقع مرورهم ، قال ابن عباس : صنع نوح الفلك ببقاع دمشق وأخذ عودها من لبنان وعودها من الشمشار وهو البقص . وروي أن عودها من الساج وأن نوحا عليه السّلام اغترسه حتى كبر في أربعين سنة ؛ وروي أن طول السفينة ألف ذراع ومائتان ، وعرضها ستمائة ذراع ، ذكره الحسن بن أبي الحسن وقيل : طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا ، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا ، ذكره قتادة ، وروي غير هذا مما لم يثبت ، فاختصرت ذكره ، وذكر الطبري حديث إحياء عيسى ابن مريم لسام بن نوح وسؤاله إياه عن أمر السفينة فذكر أنها ثلاث طبقات : طبقة للناس ، وطبقة للبهائم ، وطبقة للطير ، إلى غير ذلك في حديث طويل . و « الملأ » هنا الجماعة ، و
سَخِرُوا
معناه استجهلوه ، وهذا الاستجهال إن كان الأمر كما ذكر أنهم لم يكونوا قبل رأوا سفينة ولا كانت - فوجه الاستجهال واضح . وبذلك تظاهرت التفاسير ؛ وإن كانت السفائن حينئذ معروفة فاستجهلوه في أن صنعها في موضع لا قرب لها من البحر وروي أنهم كانوا يقولون له صرت نجارا بعد النبوة ؟ ! ! . وقوله
فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
قال الطبري : يريد في الآخرة . قال القاضي أبو محمد : ويحتمل الكلام ، بل هو الأرجح ، أن يريد : إنا نسخر منكم الآن ، أي نستجهلكم لعلمنا بما أنتم عليه من الغرر مع اللّه تعالى والكون بمدرج عذابه ، ثم جاء قوله :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
تهديدا ، والسخر : الاستجهال مع استهزاء ، ومصدره : سخرى بضم السين ، والمصدر من السخرة والتسخير سخرى بكسرها . و « العذاب المخزي » هو الغرق ، و « المقيم » هو عذاب الآخرة ، وحكى الزهراوي أنه يقرأ « ويحل » بضم الحاء ، ويقرأ « ويحل » بكسرها ، بمعنى ويجب . و
مَنْ
في موضع نصب ب
تَعْلَمُونَ
. وجاز أن يكون
تَعْلَمُونَ
بمثابة تعرفون في التعدي إلى مفعول واحد ، وجائز أن تكون التعدية إلى مفعولين واقتصر على الواحد . وقوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا
الآية ، الأمر هاهنا يحتمل أن بكون واحد الأمور ، ويحتمل أن يكون مصدر أمر ، فمعناه أمرنا للماء بالفوران ، أو للسحاب بالإرسال ، أو للملائكة بالتصرف في ذلك ، ونحو هذا مما يقدر في النازلة و
فارَ
معناه انبعث بقوة ؛ واختلف الناس في
التَّنُّورُ
، فقالت فرقة - وهي الأكثر - منهم ابن عباس ومجاهد وغيرهما : هو تنور الخبز الذي يوقد فيه ، وقالت فرقة : كانت هذه أمارة جعلها اللّه لنوح ، أي إذا فار التنور فاركب في السفينة ؛ ويشبه أن يكون وجه الأمارة أن مستوقد النار إذا فار بالماء فغيره أشد فورانا ، وأحرى بذلك . وروي أنه كان تنور آدم عليه السّلام خلص إلى نوح فكان يوقد