تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
المنعة بحال من يفلت أو يعتصم بمنج ، وإنما في قبضة القدرة وتحت ذلة المتملك ، وليس نصحي بنافع ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان اللّه تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك . والشرط الثاني اعتراض بين الكلام ، وفيه بلاغة في اقتران الإرادتين . وأن إرادة البشر غير مغنية ، وتعلق هذا الشرط هو ب
نُصْحِي
، وتعلق الآخر هو ب « لا ينفع » . والنصح هو سد ثلم الرأي للمنصوح وترقيعه ، وهو مأخوذ من نصح الثوب إذا خاطه ، والمنصح الإبرة ، والمخيط يقال له منصح ونصاح : وقالت فرقة معنى قوله
يُغْوِيَكُمْ
: يضلكم ، من قولهم غوى الرجل يغوى ، ومنه قول الشاعر [ المرقش ] : [ الطويل ]
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وإذا كان هذا معنى اللفظة ، ففي الآية حجة على المعتزلة القائلين إن الضلال إنما هو من العبد . وقالت فرقة معنى قوله :
يُغْوِيَكُمْ
: يهلككم ، والغوى المرض والهلاك ؛ وفي لغة طيّئ : أصبح فلان غاويا ، أي مريضا ، والغوى بشم الفصيل ، قال يعقوب في الإصلاح . وقيل : فقده اللبن حتى يموت جوعا ، قاله الفراء وحكاه الطبري . يقال غوى يغوى ، وحكى الزهراوي أنه الذي قطع عنه اللبن حتى كاد يهلك ولما يهلك بعد ، فإذا كان هذا معنى اللفظة زال موضع النظر بين أهل السنة والمعتزلة ، وبقي الاحتجاج عليهم بما هو أبين من هذه الآية كقوله تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
[ الأنعام : 125 ] ونحوها . قال القاضي أبو محمد : ولكني أعتقد أن للمعتزلة تعلقا وحجة بالغة بهذا التأويل ، فرد عليه وأفرط حتى أنكر أن يكون الغوى بمعنى الهلاك موجودا في لسان العرب . وقوله :
هُوَ رَبُّكُمْ
، تنبيه على المعرفة بالخالق . وقوله :
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
إخبار في ضمنه وعيد وتخويف ، وقوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ . . .
الآية ، قال الطبري وغيره من المتأولين والمؤلفين في التفسير : إن هذه الآية اعترضت في قصة نوح وهي شأن محمد صلى اللّه عليه وسلم مع كفار قريش ، وذلك أنهم قالوا : افتري القرآن وافتري هذه القصة على نوح ، فنزلت الآية في ذلك . قال القاضي أبو محمد : وهذا لو صح بسند وجب الوقوف عنده ، وإلا فهو يحتمل أن يكون في شأن نوح عليه السلام ، ويبقى اتساق الآية مطردا ، ويكون الضمير في قوله
افْتَراهُ
عائدا إلى العذاب الذي توعدهم به أو على جميع أخباره ، وأوقع الافتراء على العذاب من حيث يقع على الإخبار به . والمعنى : أم يقول هؤلاء الكفرة افترى نوح هذا التوعد بالعذاب وأراد الإرهاب علينا بذلك ؛ ثم يطرد باقي الآية على هذا . و
أَمْ
هي التي بمعنى بل يقولون ، و « الإجرام » مصدر أجرم يجرم إذا جنى ، يقال : جرم وأجرم بمعنى ، ومن ذلك قول الشاعر :
طريد عشيرة ووهين ذنب * بما جرمت يدي وجنى لساني
قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 36 إلى 37 ]

وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 167 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى