وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم - في رواية أبي بكر وابن عامر : « مجراها ومرساها » بضم الميمين على معنى إجرائها وإرسائهما ، وهي قراءة مجاهد وأبي رجاء والحسن والأعرج وشيبة وجمهور الناس ، ومن ذلك قول لبيد : [ الكامل ]
وعمرت حرسا قبل مجرا داحس * لو كان للنفس اللجوج خلود
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم : « مجراها » بفتح الميم وكسر الراء ، وكلهم ضم الميم من « مرساها » وقرأ الأعمش وابن مسعود « مجراها ومرساها » بفتح الميمين ، وذلك من الجري والرسو ؛ وهذه ظرفية مكان ، ومن ذلك قول عنترة : [ الكامل ]
فصبرت نفسا عند ذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع
واختار الطبري قراءة « مجراها » بفتح الميم الأولى وضم الثانية ، ورجحها بقوله تعالى :
وَهِيَ تَجْرِي
، ولم يقرأ أحد ، « تجري » وهي قراءة ابن مسعود أيضا رواها عنه أبو وائل ومسروق . وقرأ ابن وثاب وأبو رجاء العطاري والنخعي والجحدري والكلبي والضحاك بن مزاحم ومسلم بن جندب وأهل الشام :
« مجراها ومرسيها » وهما على هذه القراءة صفتان للّه تعالى عائدتان على ذكره في قوله
بِسْمِ اللَّهِ
.
وقوله
إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
تنبيه لهم على قدر نعم اللّه عليهم ورحمته لهم وستره عليهم وغفرانه ذنوبهم بتوبتهم وإنابتهم .
وقوله تعالى :
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ
الآية ، روي أن السماء أمطرت بأجمعها حتى لم يكن في الهواء جانب لا مطر فيه ، وتفجّرت الأرض كلها بالنبع ، فهكذا كان التقاء الماء ، وروي أن الماء علا على الجبال وأعلى الأرض أربعين ذراعا وقيل خمسة عشرة ذراعا ؛ وأشار الزجاج وغيره إلى أن الماء انطبق : ماء الأرض وماء السماء فصار الكل كالبحر .
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، وأين كان الموج كالجبال على هذا ؟ وكيف استقامت حياة من في السفينة على هذا ؟ .
وقرأت فرقة : « ابنه » على إضافة الابن إلى نوح ، وهذا قول من يقول : هو ابنه لصلبه ، وقد قال قوم :
إنه ابن قريب له ودعاه بالنبوة حنانا منه وتلطفا ، وقرأ ابن عباس « ابنه » بسكون الهاء ، وهذا على لغة لأزد السراة ومنه قول الشاعر : [ الطويل ] ومطواي مشتاقان له أرقان وقرأ السدي « ابناه » قال أبو الفتح : ذلك على النداء وذهبت فرقة إلى أن ذلك على جهة الندبة محكية ، وقرأ عروة بن الزبير أيضا وأبو جعفر وجعفر بن محمد « ابنه » على تقدير ابنها ، فحذف الألف تخفيفا وهي لغة ومنها قول الشاعر : [ البسيط ]
إما تقود به شاة فتأكلها * أو أن تبيعه في نقض الأراكيب