قرأ أبو البرهسم : « وأوحى » بفتح الهمزة على إسناد الفعل إلى اللّه عزّ وجل ، « إنه » بكسر الهمزة ، وقيل لنوح هذا بعد أن طال عليه كفر القرن بعد القرن به ، وكان يأتيه الرجل بابنه فيقول : يا بني لا تصدق هذا الشيخ فهكذا عهده أبي وجدي كذابا مجنونا ؛ رواه عبيد بن عمير وغيره ، وهذه الآية هي التي أيأست نوحا عليه السلام من قومه ، فروي أنه لما أوحي إليه ذلك دعا فقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] .
و
تَبْتَئِسْ
من البؤس تفتعل ، ومعناه : لا تحزن نفسك ومنه قول الشاعر - وهو لبيد بن ربيعة - :
[ مجزوء الكامل ]
في مأتم كنعاج حا * رة تبتئس بما لقينا
حارة : موضع .
قال القاضي أبو محمد : وفي أمر نوح عليه السلام تدافع في ظاهر الآيات والأحاديث ينبغي أن نخلص القول فيه ، وذلك أن ظاهر أمره أنه عليه السلام دعا على الكافرين عامة من جميع الأمم ولم يخص قومه دون غيرهم ، وتظاهرت الروايات وكتب التفاسير بأن الغرق نال جميع أهل الأرض وعم الماء جميعها ، قاله ابن عباس وغيره ، ويوجب ذلك أمر نوح بحمل الأزواج من الحيوان ، ولولا خوف إفناء أجناسها من جميع الأرض ، ما كان ذلك ، فلا يتفق لنا أن نقول إنه لم يكن في الأرض غير قوم نوح في ذلك الوقت ، لأنه يجب أن يكون نوح بعث إلى جميع الناس ، وقد صح أن هذه الفضيلة خاصة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
« أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي » . فلا بد أن نقرر كثيرا من الأمم كان في ذلك الوقت ، وإذا كان ذلك ، فكيف استحقوا العقوبة في جمعهم ونوح لم يبعث إلى كلهم ؟ وكنا نقدر هنا أن اللّه تعالى بعث إليهم رسلا قبل نوح فكفروا بهم واستمر كفرهم ، لولا أنا نجد الحديث ينطق بأن نوحا هو أول الرسل إلى أهل الأرض ؛ ولا يمكن أيضا أن نقول : عذبوا دون رسالة ونحن نجد القرآن :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] .
والتأويل المخلص من هذا كله هو أن نقول : إن نوحا عليه السلام أول رسول بعث إلى كفار من أهل الأرض ليصلح الخلق ويبالغ في التبليغ ويحتمل المشقة من الناس - بحسب ما ثبت في الحديث - ثم نقول : إنه بعث إلى قومه خاصة بالتبليغ والدعاء والتنبيه ، وبقي أمم في الأرض لم يكلف القول لهم ، فتصح الخاصة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ثم نقول : إن الأمم التي لم يبعث ليخاطبها إذا كانت بحال كفر وعبادة أوثان ، وكانت الأدلة على اللّه تعالى منصوبة معرضة للنظر ، وكانوا متمكنين من النظر من جهة إدراكهم ، وكان الشرع - ببعث نوح - موجودا مستقرا .
فقد وجب عليهم النظر ، وصاروا بتركه بحال من يجب تعذيبه : فإن هذا رسول مبعوث وإن كان لم يبعث إليهم معينين ألا ترى أن لفظ الآية إنما هو
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] ، أي