تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
بالتحليل والتحريم ، وروي عن ابن محيصن أنه قرأ - « ولا تبدلوا » - بإدغام التاء في التاء وجاز في ذلك الجمع بين ساكنين ، لأن أحدهما حرف مد ولين يشبه الحركة ، وقوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ
استوى الأيتام في النهي عن أكل « أموالهم » ، كانوا ورثة ممنوعين من الميراث ومحجورين ، والآية نص في [ النهي عن ] قصد مال اليتيم بالأكل والتمول على جميع وجوهه ، وروي عن مجاهد أنه قال : الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق ، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك ، ثم نسخ منه النهي بقوله :
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
[ البقرة : 220 ] وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة ، وقال ابن فورك عن الحسن : إنه تأول الناس من هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم ، فخفف عنهم في آية البقرة ، وقالت طائفة من المتأخرين
إِلى
بمعنى مع ، وهذا غير جيد ، وروي عن مجاهد أن معنى الآية : ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم . قال القاضي أبو محمد : وهذا تقريب للمعنى ، لا أنه أراد أن الحرف بمعنى الآخر ، وقال الحذاق :
إِلى
هي على بابها وهي تتضمن الإضافة ، التقدير : « لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل » ، كما قال تعالى
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ *
[ آل عمران : 52 ، الصف : 14 ] أي من ينضاف إلى اللّه في نصرتي والضمير في
إِنَّهُ
عائد على الأكل الذي تضمنه الفعل الظاهر ، والحوب الإثم ، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما ، تقول : حاب الرجل يحوب حوبا وحابا وحوبا إذا أثم ، قال أمية بن الأسكر : [ الوافر ]
وإنّ مهاجرين تكنّفاه * غداتئذ لقد خطئا وخابا
وقرأ الحسن : « حوبا » بفتح الحاء ، وهي لغة بني تميم ، وقيل : هو بفتح الحاء المصدر وبضمها الاسم ، وتحوب الرجل إذا ألقى الحوب عن نفسه ، وكذلك تحنث وتأثم وتحرج ، فإن هذه الأربعة بخلاف تفعل كله ، لأن تفعل معناه الدخول في الشيء كتعبد وتكسب وما أشبهه ، ويلحق بهذه الأربعة تفكهون ، في قوله تعالى :
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
[ الواقعة : 65 ] أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم ، بدليل قوله بعد ذلك
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
[ الواقعة : 66 و 67 ] أي يقولون ذلك ، وقوله :
كَبِيراً
نص على أن أكل مال اليتيم من الكبائر . وقوله تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى
قال أبو عبيدة :
خِفْتُمْ
هنا بمعنى أيقنتم ، واستشهد بقول الشاعر : [ دريد بن الصمة ] : [ الطويل ]
فقلت لهم خافوا بألفي مدجّج
وما قاله غير صحيح ، ولا يكون الخوف بمعنى اليقين بوجه وإنما هو من أفعال التوقع ، إلا أنه قد يميل الظن فيه إلى إحدى الجهتين ، وأما أن يصل إلى حد اليقين فلا ، و
تُقْسِطُوا
معناه تعدلوا ، يقال : أقسط الرجل إذا عدل ، وقسط إذا جار ، وقرأ ابن وثاب والنخعي ، - « ألا تقسطوا » بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة - لا - كأنه قال :
وَإِنْ خِفْتُمْ
أن تجوروا ، واختلف في تأويل الآية ، فقالت عائشة رضي اللّه عنها : نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال ولياتهم ، فيريدون أن يبخسوهن في المهر لمكان ولايتهم عليهن ، فقيل لهم : أقسطوا في مهورهن ، فمن خاف ألا يقسط فليتزوج ما طاب له من الأجنبيات اللواتي