تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
منكم لهن أي عطية ، وقيل التقدير : من اللّه عزّ وجل لهن ، وذلك لأن اللّه جعل الصداق على الرجال ولم يجعل على النساء شيئا ، وقيل
نِحْلَةً
معناه : شرعة ، مأخوذ من النحل تقول : فلان ينتحل دين كذا ، وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء ، ويتجه مع سواه ، ونصبها على أنها من الأزواج بإضمار فعل من لفظها ، تقديره - انحلوهن نحلة ، ويجوز أن يعمل الفعل الظاهر ، وإن كان من غير اللفظ لأنه مناسب للنحلة في المعنى ونصبها على أنها من اللّه عزّ وجل بإضمار فعل مقدر من اللفظ لا يصح غير ذلك ، وعلى أنها شريعة هي أيضا من اللّه وقوله :
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
الخطاب حسبما تقدم من الاختلاف في الأزواج والأولياء ، والمعنى : إن وهبن غير مكرهات طيبة نفوسهن ، والضمير في
مِنْهُ
راجع على الصداق ، وكذلك قال عكرمة وغيره ، أو على الإيتاء ، وقال حضرمي : سبب الآية أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوا إلى الزوجات ، و
نَفْساً
نصب على التمييز ، ولا يجوز تقدمه على العامل عند سيبويه إلا في ضرورة شعر مع تصرف العامل ، وإجازة غيره في الكلام . ومنه قول الشاعر [ المخبل السعدي ] : [ الطويل ] وما كان نفسا بالفراق تطيب و « من » - تتضمن الجنس هاهنا ، ولذلك يجوز أن تهب المهر كله ، ولو وقفت « من » على التبعيض لما جاز ذلك ، وقرئ « هنيا مريا » دون همز ، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن والزهري . قال الطبري : ومن هناء البعير أن يعطي الشفاء . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، وإنما قال اللغويون : الطعام الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة ، وكذلك المريء ، قال اللغويون : يقولون هنأني الطعام ومرأني على الاتباع ، فإذا أفردوا قالوا : أمرأني على وزن أفعل . قال أبو علي : وهذا كما جاء في الحديث « ارجعن مأزورات غير مأجورات » فإنما اعتلت الواو من موزورات اتباعا للفظ مأجورات ، فكذلك مرأني اتباعا لهنأني ، ودخل رجل على علقمة - وهو يأكل شيئا مما وهبته امرأته من مهرها - فقال له : كل من الهنيء المريء ، قال سيبويه ؛
هَنِيئاً مَرِيئاً
صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره ، المختزل للدلالة التي في الكلام عليه ، كأنهم قالوا : ثبت ذلك « هنيئا مريئا » . وقوله
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ
الآية ، اختلف المتأولون في المراد ب
السُّفَهاءَ
، فقال ابن مسعود والسدي والضحاك والحسن وغيرهم : نزلت في ولد الرجل الصغار وامرأته ، وقال سعيد بن جبير : نزلت في المحجورين « السفهاء » وقال مجاهد : نزلت في النساء خاصة ، وروي عن عبد اللّه بن عمر أنه مرت به امرأة لها شارة فقال لها
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
الآية ، وقال أبو موسى الأشعري والطبري وغيرهما : نزلت في كل من اقتضى الصفة التي شرط اللّه من السفه كان من كان ، وقول من خصها بالنساء يضعف من جهة الجمع ، فإن العرب إنما تجمع فعيلة على فعائل أو فعيلات ، وقوله :
أَمْوالَكُمُ
يريد أموال المخاطبين ، هذا قول أبي موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة ، وقال سعيد بن جبير : يريد أموال « السفهاء » ، وأضافها إلى المخاطبين تغبيطا بالأموال ، أي هي لهم إذا احتاجوا ، كأموالكم لكم التي تقي أعراضكم ، وتصونكم وتعظم أقداركم ، ومن مثل هذا
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ] وما جرى مجراه ، وقرأ
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 9 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى