واستهلها بعض النحويين ، قال أبو علي : ذلك ضعيف في القياس .
قال القاضي أبو محمد : المضمر المخفوض لا ينفصل فهو كحرف من الكلمة ، ولا يعطف على حرف ، ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان : أحدهما أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى اللّه ، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها ، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته ، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة ، والوجه الثاني أن في ذكرها على ذلك تقريرا للتساؤل بها والقسم بحرمتها ، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله عليه السلام : « من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت » وقالت طائفة : إنما خفض - « والأرحام » - على جهة القسم من اللّه على ما اختص به لا إله إلا هو من القسم بمخلوقاته ، ويكون المقسم عليه فيما بعد من قوله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
وهذا كلام يأباه نظم الكلام وسرده ، وإن كان المعنى يخرجه - و
كانَ
في هذه الآية ليست لتحديد الماضي فقط ، بل المعنى : كان وهو يكون ، والرقيب : بناء الاسم الفاعل من رقب يرقب إذا أحد النظر بالبصر أو بالبصيرة إلى أمر ما ليتحققه على ما هو عليه ، ويقترن بذلك حفظ ومشاهدة وعلم بالحاصل عن الرقبة ، وفي قوله
عَلَيْكُمْ
ضرب من الوعيد ، ولم يقل « لكم » للاشتراك الذي كان يدخل من أنه يرقب لهم ما يصنع غيرهم ، ومما ذكرناه قيل للذي يرقب خروج السهم من ربابة الضريب في القداح رقيب ، لأنه يرتقب ذلك . ومنه قول أبي دؤاد : [ مجزوء الكامل ] كمقاعد الرّقباء للضّرباء أيديهم نواهد قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 2 إلى 3 ]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ( 2 ) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا ( 3 )
الْيَتامى
: جمع يتيم ويتيمة ، واليتم في كلام العرب فقد الأب قبل البلوغ ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لا يتم بعد بلوغ » وهو في البهيمة فقد الأم في حال الصغر ، وحكى اليتم في الإنسان من جهة الأم ، وقال ابن زيد : هذه المخاطبة هي لمن كانت عادته من العرب أن لا يرث الصغير من الأولاد مع الكبير ، فقيل لهم : ورثوهم أموالهم ، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالا طيبا وتأخذوا الكل ظلما حراما خبيثا ، فيجيء فعلكم ذلك تبدلا ، وقالت طائفة : هذه المخاطبة هي لأوصياء الأيتام ، والمعنى : إذا بلغوا وأونس منهم الرشد . وسماهم يتامى وهم قد بلغوا ، استصحابا للحالة الأولى التي قد ثبتت لهم من اليتم ،
وَلا تَتَبَدَّلُوا
قيل : المراد ما كان بعضهم يفعل من أن يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله ، والدرهم الطيب بالزائف من ماله ، قاله سعيد بن المسيب والزهري والسندي والضحاك ، وقيل : المراد بذلك لا تأكلوا أموالهم خبيثا ، وتدعوا أموالكم طيبا ، وقيل : معناه لا تتعجلوا أكل « الخبيث » من أموالهم ، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند اللّه ، قاله مجاهد وأبو صالح ، و « الخبيث » و « الطيب » : إنما هو هنا