تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
زَوْجَها
حواء ، والزوج في كلام العرب : امرأة الرجل ، ويقال زوجة ، ومنه بيت أبي فراس : [ الطويل ]
وإنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي * كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها
وقوله
مِنْها
، قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة : إن اللّه تعالى خلق آدم وحشا في الجنة وحده ، ثم نام فانتزع اللّه أحد أضلاعه القصيرى من شماله ، وقيل : من يمينه فخلق منه حواء ، ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه السلام : « إن المرأة خلقت من ضلع ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها » وكسرها طلاقها . وقال بعضهم : معنى
مِنْها
من جنسها ، واللفظ يتناول المعنيين ، أو يكون لحمها وجواهرها من ضلعه ، ونفسها من جنس نفسه ، و
بَثَّ
معناه : نشر ، كقوله تعالى :
كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ
[ القارعة : 4 ] أي المنتشر ، وحصره ذريتها إلى نوعين الرجال والنساء مقتض أن الخنثى ليس بنوع ، وأنه وإن فرضناه مشكل الظاهر عندنا ، فله حقيقة ترده إلى أحد هذين النوعين ، وفي تكرار الأمر بالاتقاء تأكيد وتنبيه لنفوس المأمورين . و
الَّذِي
في موضع نصب على النعت - و
تَسائَلُونَ
معناه : تتعاطفون به ، فيقول أحدكم : أسألك باللّه أن تفعل كذا وما أشبهه وقالت طائفة معناه :
تَسائَلُونَ بِهِ
حقوقكم وتجعلونه مقطعا لها وأصله : « تتساءلون » ، فأبدلت التاء الثانية سينا وأدغمت في السين ، وهذه قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وابن عمرو ، بخلاف عنه ، وقرأ الباقون - « تساءلون » - بسين مخففة وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفا فهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة ، قال أبو علي : وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال كما قالوا : طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء ، إذ الأصل طس : قال العجاج : [ الرجز ]
لو عرضت لأيبليّ قسّ * أشعث في هيكله مندسّ
حنّ إليها كحنين الطّسّ وقال ابن مسعود - « تسألون » - خفيفة بغير ألف ، و
الْأَرْحامَ
نصب على العطف على موضع به لأن موضعه نصب ، والأظهر أنه نصب بإضمار فعل تقديره : واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وهذه قراءة السبعة إلا حمزة ، وعليها فسر ابن عباس وغيره ، وقرأ عبد اللّه بن يزيد - والأرحام - بالرفع وذلك على الابتداء والخبر مقدر ، تقديره : والأرحام أهل أن توصل ، وقرأ حمزة وجماعة من العلماء - « والأرحام » - بالخفض عطفا على الضمير ، والمعنى عندهم : أنها يتساءل بها كما يقول الرجل : أسألك باللّه وبالرحم ، هكذا فسرها الحسن وإبراهيم النخعي ومجاهد ، وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز ، لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض ، قال الزجاج عن المازني : لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان يحل كل واحد منهما محل صاحبه ، فكما لا يجوز : مررت بزيدوك ، فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد ، وأما سيبويه فهي عنده قبيحة لا تجوز إلا في الشعر ، كما قال : [ البسيط ]
فاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيّام من عجب
وكما قال : [ الطويل ]
نعلّق في مثل السّواري سيوفنا * وما بينها والكعب غوط نفانف
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 4 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى