تجلدوا فيكون القرآن هو الناسخ والسنة هي المبينة ويصح أن نعترض من ينسخ بالسنة في هذه النازلة فنقول : الناسخ من شروطه أن يستقل في البيان بنفسه ، وإذا لم يستقل فليس بناسخ ، وآية الرجم بعد أن يسلم ثبوتها لا تستقل في النسخ بنفسها ، بل تنبني مع الجلد وتجتمع ، كما تضمن حديث عبادة بن الصامت ، لكن إسقاط الرسول الجلد هو الناسخ ، لأن فعله في ذلك هو بمنزلة قوله : لا تجلدوا الثيب ، وأما البكر فلا خلاف أنه يجلد ، واختلف في نفيه ، فقال الخلفاء الأربعة وابن عمر ومالك والشافعي وجماعة : لا نفي اليوم ، وقالت جماعة : ينفى وقيل : نفيه سجنه ، ولا تنفى المرأة ولا العبد ، هذا مذهب مالك وجماعة من العلماء ، وقوله :
فَأَعْرِضُوا عَنْهُما
كانت هذه العقوبة من الإمساك والأذى إرادة أن يتوب الزناة ، وهو الرجوع عن الزنا والإصرار عليه ، فأمر اللّه تعالى المؤمنين ، إذا تاب الزانيان وأصلحا في سائر أعمالهما أن يكف عنهما الأذى ، وجاء الأمر بهذا الكف الذي هو « أعرضوا » وفي قوة اللفظ غض من الزناة وإن تابوا ، لأن تركهم إنما هو إعراض ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
[ الأعراف : 199 ] وليس الإعراض في الآيتين أمرا بهجرة ، ولكنها متاركة معرض ، وفي ذلك احتقار لهم بحسب المعصية المتقدمة ، ويحسب الجهالة في الآية الأخرى ، واللّه تعالى تواب ، أي راجع بعباده عن المعاصي إلى تركها ولزوم الطاعة .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 17 إلى 18 ]
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 )
إِنَّمَا
حاصرة ، وهو مقصد المتكلم بها أبدا ، فقد تصادف من المعنى ما يقتضي العقل فيه الحصر ، كقوله تعالى :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
[ النساء : 171 ] وقد تصادف من المعنى ما لا يقتضي العقل فيه الحصر ، كقوله : إنما الشجاع عنترة فيبقى الحصر في مقصد المادح ، ويتحصل من ذلك لكل سامع تحقيق هذه الصفة للموصوف بمبالغة ، وهذه الآية مما يوجب النظر فيها أنها حاصرة ، وهي في عرف الشرع :
الرجوع من شر إلى خير ، وحد التوبة : الندم على فارط فعل ، من حيث هو معصية اللّه عزّ وجل ، وإن كان الندم من حيث أضر ذلك الفعل في بدن أو ملك فليس بتوبة ، فإن كان ذلك الفعل مما يمكن هذا النادم فعله في المستأنف فمن شروط التوبة العزم على ترك ذلك الفعل في المستأنف ، وإلا فثم إصرار لا توبة معه ، وإن كان ذلك الفعل لا يمكنه ، مثل أن يتوب من الزنا فيجب بأثر ذلك ونحو ذلك ، فهذا لا يحتاج إلى شرط العزم على الترك ، والتوبة فرض على المؤمنين بإجماع الأمة ، والإجماع هي القرينة التي حمل بها قوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
[ النور : 31 ] على الوجوب ، وتصح التوبة من ذنب من الإقامة على غيره من غير نوعه ، خلافا للمعتزلة في قولهم : لا يكون تائبا من أقام على ذنب ،