عليكم « اللذان » ، واختلف في الأذى ، فقال عبادة والسدي : هو التعيير والتوبيخ وقالت فرقة : هو السبّ والجفاء دون تعيير ، وقال ابن عباس : هو النيل باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه ، قال مجاهد وغيره :
الآية الأولى في النساء عامة لهن ، محصنات وغير محصنات ، والآية الثانية في الرجال ، وبين بلفظ التثنية صنفي الرجال ممن أحصن وممن لم يحصن ، فعقوبة النساء الحبس ، وعقوبة الرجال الأذى ، وهذا قول يقتضيه اللفظ ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة عليه ، ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى
مِنْ نِسائِكُمْ
وقوله في الثانية
مِنْكُمْ
، وقال السدي وقتادة وغيرهما : الآية الأولى في النساء المحصنات ، يريد ويدخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى ، والآية الثانية هي في الرجل والمرأة البكرين .
قال القاضي أبو محمد : ومعنى هذا القول تام ، إلا أن لفظ الآية يقلق عنه ، وقد رجحه الطبري ، وقرأ ابن مسعود « والذين يفعلونه منكم » وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور ، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما ، إلا من قال : إن الأذى والتعيير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان بل يتحملان على شخص واحد ، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع ، وآية الجلد عامة في الزناة محصنهم وغير محصنهم ، وكذلك عممه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديث حطان بن عبد اللّه الرقاشي الذي ذكرته آنفا ، وإن كان في صحيح مسلم فهو خبر آحاد ، ثم ورد بالخبر المتواتر ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجم ولم يجلد ، فمن قال : إن السنة المتواترة تنسخ القرآن ، جعل رجم الرسول دون جلد ناسخا لجلد الثيب ، وهذا الذي عليه الأئمة : أن السنة المتواترة تنسخ القرآن ، إذ هما جميعا وحي من اللّه ، ويوجبان جميعا العلم والعمل ، وإنما اختلفا في أن السنة نقص منها الإعجاز ، وصح ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في خبر ماعز ، وفي حديث المرأة التي بعث إليها أنيس ، ومن قال إن السنة المتواترة لا تنسخ القرآن ، قال : إنما يكون حكم القرآن موقفا ، ثم تأتي السنة مستأنفة من غير أن تتناول نسخا .
قال القاضي أبو محمد : وهذا تخيل لا يستقيم ، لأنا نجد السنة ترفع بحكمها ما استقر من حكم القرآن على حد النسخ ، ولا يرد ذلك نظر ، ولا ينخرم منه أصل ، أما أن هذه النازلة بعينها يتوجه عندي أن يقال فيها : إن الناسخ لحكم الجلد هو القرآن المتفق على رفع لفظه وبقاء حكمه ، في قوله تعالى : الشيخ والشيخة - إذا زنيا - فارجموهما البتة ، وهذا نص في الرجم ، وقد قرره عمر على المنبر بمحضر الصحابة ، وذكر أنهم قرءوه على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والحديث بكماله في مسلم وأيضا فيعضد أن ذلك من القرآن قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي قال له : فاقض بيننا يا رسول اللّه بكتاب اللّه ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : لأقضين بينكما بكتاب اللّه ، ثم أمر أنيسا برجم المرأة إن هي اعترفت ، فدل هذا الظاهر على أن الرجم كان في القرآن ، وأجمعت الأمة على رفع لفظة ، وهاتان الآيتان أعني الجلد والرجم لو لم يقع بيان من الرسول لم يجب أن تنسخ إحداهما الأخرى ، إذ يسوغ اجتماعهما على شخص واحد ، وحديث عبادة المتقدم يقوي جميعهما ، وقد أخذ به علي رضي اللّه عنه في شراحة جلدها ثم رجمها ، وقال : أجلدها بكتاب اللّه وأرجمها بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبه قال الحسن وإسحاق بن راهويه ، ولكن لما بين الرسول برجمه دون جلد كان فعله بمثابة قوله مع هذه الآية : قفوا ولا