قال : وعزتك لا برحت من قلبه ما دام فيه الروح ، فقال اللّه تعالى : وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح .
قال القاضي أبو محمد : فابن عباس رضي اللّه عنه ذكر أحسن أوقات التوبة ، والجمهور حددوا آخر وقتها ، وقال إبراهيم النخعي : كان يقال : التوبة مبسوطة لأحدكم ما لم يؤخذ بكظمه ، وروى بشير بن كعب والحسن أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : إن اللّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله .
قال القاضي أبو محمد : لأن الرجاء فيه باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل في المستأنف ، فإذا غلب تعذرت التوبة لعدم الندم والعزم على الترك ، وقوله تعالى :
مِنْ قَرِيبٍ
إنما معناه : « من قريب » إلى وقت الذنب ، ومدة الحياة كلها قريب ، والمبادر في الصحة أفضل ، والحق لأمله من العمل الصالح ، والبعد كل البعد الموت ، ومنه قول مالك بن الريب : [ الطويل ] وأين مكان البعد إلّا مكانيا وقوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
أي بمن يتوب وييسره هو للتوبة حكيما فيما ينفذه من ذلك ، وفي تأخير من يؤخر حتى يهلك .
ثم نفى بقوله تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
الآية أن يدخل في حكم التائبين من حضره موته وصار في حيز اليأس ، وحضور الموت هو غاية قربه ، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق ، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان ، وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجماعة المفسرين ، وقال الربيع : الآية الأولى قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
هي في المؤمنين ، والآية الثانية قوله :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
الآية نزلت في المسلمين ثم نسخت بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *
[ النساء : 48 ، 116 ] فحتم أن لا يغفر للكافر وأرجأ المؤمنين إلى مشيئته لم ييئسهم من المغفرة .
قال القاضي أبو محمد : وطعن بعض الناس في هذا القول بأن خبر ، والأخبار لا تنسخ . وهذا غير لازم ، لأن الآية لفظها الخبر ، ومعناه تقرير حكم شرعي ، فهي نحو قوله تعالى :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
[ البقرة : 284 ] ونحو قوله تعالى :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
[ سورة الأنفال : 65 ] وإنما يضعف القول بالنسخ من حيث تنبني الآيتان ولا يحتاج إلى تقرير نسخ ، لأن هذه الآية لم تنف أن يغفر للعاصي الذي لم يتب من قريب ، فنحتاج أن نقول ، إن قوله :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ *
[ النساء : 48 ، 116 ] نسخها وإنما نفت هذه الآية أن يكون تائبا من لم يتب إلا مع حضور الموت ، فالعقيدة عندي في هذه الآيات : أن من تاب من قريب فله حكم التائب فيغلب الظن عليه أنه ينعم ولا يعذب ، هذا مذهب أبي المعالي وغيره ، وقال غيرهم : بل هو مغفور له قطعا ، لإخبار اللّه تعالى بذلك ، وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة ، ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم التائبين ، فإن كان كافرا فهو يخلد ، وإن كان مؤمنا فهو عاص في المشيئة ، لكن يغلب الخوف عليه ، ويقوي الظن في تعذيبه ، ويقطع من جهة السمع أن من هذه الصنيفة من يغفر اللّه له تعالى تفضلا منه ولا يعذبه .
وأعلم اللّه تعالى أيضا أن
الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
فلا مستعتب لهم ولا توبة في الآخرة ، وقوله تعالى :