تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
وتصح التوبة وإن نقضها التائب في ثاني حال بمعاودة الذنب ، فإن التوبة الأولى طاعة قد انقضت وصحت ، وهو محتاج بعد موافقة الذنب إلى توبة أخرى مستأنفة ، والإيمان للكافر ليس نفس توبته ، وإنما توبته ندمه على سالف كفره ، وقوله تعالى :
عَلَى اللَّهِ
فيه حذف مضاف تقديره : على فضل اللّه ورحمته لعباده ، وهذا نحو قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لمعاذ بن جبل : يا معاذ أتدري ما حق اللّه على العباد ؟ قال اللّه ورسوله أعلم ، قال : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم سكت قليلا ، ثم قال : يا معاذ أتدري ما حق العباد على اللّه ؟ قال اللّه ورسوله أعلم ، قال : أن يدخلهم الجنة ، فهذا كله إنما معناه : ما حقهم على فضل اللّه ورحمته ، والعقيدة : أنه لا يجب على اللّه تعالى شيء عقلا ، لكن إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعا ، فمن ذلك تخليد الكفار في النار ، ومن ذلك قبول إيمان الكافر ، والتوبة لا يجب قبولها على اللّه تعالى عقلا ، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب ، قال أبو المعالي وغيره : فهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن لا قطعا على اللّه بقبول التوبة . قال القاضي أبو محمد : وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى ، فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط ، فقول أبي المعالي يغلب على الظن قبول توبته ، وقال غيره : يقطع على اللّه تعالى بقبول توبته ، كما أخبر عن نفسه عزّ وجل . قال القاضي أبو محمد : وكان أبي رحمة اللّه عليه يميل إلى هذا القول ويرجحه ، وبه أقول ، واللّه تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
[ الشورى : 25 ] وقوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ
[ طه : 82 ] و
السُّوءَ
في هذه الآية يعم الكفر والمعاصي ، وقوله تعالى :
بِجَهالَةٍ
معناه : بسفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية ، وليس المعنى أن تكون « الجهالة » ان ذلك الفعل معصية ، لأن المتعمد للذنوب كان يخرج من التوبة ، وهذا فاسد إجماعا ، وبما ذكرته في « الجهالة » قال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ذكر ذلك عنهم أبو العالية ، وقال قتادة : اجتمع أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة ، عمدا كانت أو جهلا ، وقال به ابن عباس ومجاهد والسدي ، وروي عن مجاهد والضحاك أنهما قالا : « الجهالة » هنا العمد ، وقال عكرمة : أمور الدنيا كلها « جهالة » . قال القاضي أبو محمد : يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة اللّه ، وهذا المعنى عندي جار مع قوله تعالى :
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ *
[ محمد : 36 ، الحديد : 20 ] وقد تأول قوم قول عكرمة بأنه للذين يعملون السوء في الدنيا . قال القاضي أبو محمد : فكأن « الجهالة » اسم للحياة الدنيا ، وهذا عندي ضعيف ، وقيل
بِجَهالَةٍ
، أي لا يعلم كنه العقوبة ، وهذا أيضا ضعيف ، ذكره ابن فورك ورد عليه ، واختلف المتأولون في قوله تعالى :
مِنْ قَرِيبٍ
فقال ابن عباس والسدي : معنى ذلك قبل المرض والموت ، وقال أبو مجلز ومحمد بن قيس والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم : معنى ذلك قبل المعاينة للملائكة والسوق ، وأن يغلب المرء على نفسه ، وروى أبو قلابة ، أن اللّه تعالى لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف ، ثم جرى له ما جرى ولعن وانظر ،