تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وحمله على الإعراض عمّا سواه ، حتّى سهل ذلك عليه . وهكذا إلى أن ارتاض كلّ الرياضة ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كنّا نظن به ناموسا وتخلّقا ، طبعا وتحقّقا . وأنّ ذلك أثر السّعادة المقدّرة له من اللَّه تعالى . ثمّ سألناه عن كيفيّة رغبته في الخروج من بيته ، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور . فقال معتذرا : ما كنت أجوّز في ديني أن أقف عن الدّعوة ، ومنفعة الطّالبين ، وقد خفّ عليّ أن أبوح بالحقّ ، وأنطق به ، وأدعو إليه . وكان صادقا في ذلك [ ( 1 ) ] . فلمّا خفّ أمر الوزير ، وعلم أنّ وقوفه على ما كان فيه ظهور وحشة وخيال طلب جاه وحشمة ، ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته ، واتّخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم ، وخانقاه للصّوفيّة ، ووزّع أوقاته على وظائف الحاضرين ، من ختم القرآن ، ومجالسته أصحاب القلوب ، والقعود للتّدريس لطالبه ، إلى أن توفّاه اللَّه بعد مقاساة أنواع من القصد ، والمناوأة من الخصوم ، والسّاعين به إلى الملوك ، وكفاية اللَّه إيّاه ، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النّكبات ، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزّلّات [ ( 2 ) ] . وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، ومجالسة أهله ، ومطالعة « الصّحيحين » . ولو عاش لسبق الكلّ في ذلك الفنّ بيسير من الأيّام . ولم يتّفق له أن يروي ، ولم يعقب إلّا البنات . وكان له من الأسباب إرثا وكسبا ما يقوم بكفايته ، وقد عرضت عليه أموال فما قبلها [ ( 3 ) ] . وممّا كان يعترض به عليه ، وقوع خلل من جهة النّحو يقع في أثناء كلامه ، وروجع فيه ، فأنصف من نفسه ، واعترف بأنّه ما مارسه ، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه ، مع أنّه كان يؤلّف الخطب ، ويشرح الكتب بالعبارة الّتي يعجز الأدباء والفقهاء عن أمثالها .
هامش
[ ( 1 ) ] طبقات ابن الصلاح 1 / 262 ، تبيين كذب المفتري 294 ، 295 . [ ( 2 ) ] انظر : طبقات ابن الصلاح 1 / 263 ، وتبيين كذب المفتري 295 ، 296 . [ ( 3 ) ] تبيين كذب المفتري 296 .