تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وللإمام أبي عبد اللَّه محمد بن عليّ المازريّ الصّقلّيّ كلام على « الإحياء » يدلّ على تبحّره وتحقيقه ، يقول فيه : وبعد فقد تكرّرت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم « بإحياء علوم الدّين » ، وذكرتم أنّ آراء النّاس فيه اختلفت ، فطائفة انتصرت وتعصّبت لإشهاره ، وطائفة منه حذّرت وعنه نفّرت ، وطائفة لعيبه أظهرت ، وكتبه حرّقت ، ولم تنفردوا أهل المغرب باستعلام ما عندي ، بل كاتبني أهل المشرق مثل ذلك ، فوجب عندي إبانة الحقّ . ولم نتقدّم إلى قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه . فإن [ نفّس ] [ ( 1 ) ] اللَّه في العمر ، مددت في هذا الكتاب للأنفاس ، وأزلت عن القلوب الالتباس . واعلموا أنّ هذا الرجل ، وإن لم أكن قرأت كتابه ، فقد رأيت تلامذته وأصحابه ، فكلّ منهم يحكي لي نوعا من حاله وطريقته ، استلوح منها من مذاهبه وسيرته ، ما قام لي مقام العيان ، فأنا اقتصر في هذا الإملاء على ذكر حال الرجل ، وحال كتابه ، وذكر جمل من مذاهب الموحّدين ، والفلاسفة ، والمتصوّفة وأصحاب الإشارات . فإنّ كتابه متردّد بين هذه الطّرائق الثّلاث ، لا تعدوها ، ثمّ أتبع ذلك بذكر حيل أهل مذهب على أهل مذهب آخر ، ثمّ أبيّن عن طرق الغرور ، وأكشف عمّا فيه من خيال الباطل ، ليحذر من الوقوع في حبائل صائده . ثمّ أثنى المازريّ على أبي حامد في الفقه ، وقال : هو بالفقه أعرف منه بأصوله ، وأمّا علم الكلام الّذي هو أصول الدّين ، فإنّه صنّف فيه أيضا ، وليس بالمستبحر فيها ، ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره ، وذلك لأنّه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فنّ الأصول ، فأكسبته قراءة الفلسفة جرأة على المعاني ، وتسهّلا للهجوم على الحقائق ، لأنّ الفلاسفة تمرّ مع خواطرها ، وليس لها حكم شرع يزعها [ ( 2 ) ] ، ولا يخاف [ ( 3 ) ] من مخالفة أئمّة تتعبها [ ( 4 ) ] . وعرّفني بعض أصحابه أنّه كان له عكوف على رسائل إخوان الصّفاء ، وهي إحدى وخمسون رسالة ،
هامش
[ ( 1 ) ] في الأصل بياض . والمستدرك من ( سير أعلام النبلاء 19 / 341 ) . [ ( 2 ) ] في طبقات ابن الصلاح 1 / 256 : « يردعها » . [ ( 3 ) ] في الأصل : « يخاف » . [ ( 4 ) ] في طبقات ابن الصلاح زيادة : « فلذلك خامرة ضرب من الإدلال على المعاني ، فاسترسل فيها استرسال من لا يبالي بغيره » .