تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
له بأن يدرّس بالمدرسة النّظاميّة ، فلم يجد بدّا من ذلك . قال هذا كلّه وأكثر منه عبد الغافر بن إسماعيل في « تاريخه » [ ( 1 ) ] . ثمّ قال : ولقد زرته مرارا ، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته في سالف الزّمان عليه من الزّعارة [ ( 2 ) ] ، وإيحاش النّاس ، والنّظر إليهم بعين الازدراء ، والاستخفاف بهم كبرا وخيلاء واغترارا [ ( 3 ) ] بما رزق من البسطة في النّطق ، والخاطر ، والعبارة ، وطلب الجاه ، والعلوّ في المنزلة أنّه صار على الضّدّ ، وتصفّى من تلك الكدورات . وكنت أظنّ أنّه متلفّع بجلباب التّكلّف ، متنمّس بما صار إليه ، فتحقّقت بعد السّبر والتّنقير أنّ الأمر على خلاف المظنون ، وأنّ الرجل أفاق بعد الجنون . وحكى لنا في ليال كيفيّة أحواله ، من ابتداء ما ظهر له بطريق التّألّه ، وغلبة الحال عليه ، بعد تبحّره في العلوم ، واستطالته على الكلّ بكلامه ، والاستعداد الّذي خصّه اللَّه به في تحصيل أنواع العلوم ، وتمكّنه من البحث والنّظر ، حتّى تبرّم بالاشتغال بالعلوم العريّة عن المعاملة ، وتفكّر في العاقبة ، وما ينفع في الآخرة ، فابتدأ بصحبة أبي عليّ الفارمذيّ [ ( 4 ) ] ، فأخذ منه استفتاح الطّريقة ، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات ، والإمعان في النّوافل ، واستدامة الأذكار والاجتهاد والجدّ ، طلبا للنّجاة ، إلى أن جاز تلك العقاب ، وتكلّف تلك المشاقّ ، وما حصل على ما كان يرومه . ثمّ حكى أنّه راجع العلوم ، وخاض في الفنون ، وعاود الجدّ في العلوم الدّقيقة ، والتقى بأربابها ، حتّى تفتّحت له أبوابها ، وبقي مدّة في الوقائع ، وتكافؤ الآداب ، وأطراف المسائل . ثمّ حكى أنّه فتح عليه باب من الخوف ، بحيث شغله عن كلّ شيء ،
هامش
[ ( 1 ) ] انظر طبقات ابن الصلاح 1 / 260 - 262 ، وتبيين كذب المفتري 291 - 294 . [ ( 2 ) ] الزّعارة : الشراسة وسوء الخلق . [ ( 3 ) ] في سير أعلام النبلاء 19 / 324 : « واعتزازا » . [ ( 4 ) ] الفارمذيّ : بسكون الراء وفتح الميم . نسبة إلى فارمذ . قرية من قرى طوس . وأبو علي الفارمذي هو : الفضل بن محمد بن علي ، لسان خراسان وشيخها . توفي سنة 477 ه - . وقد تقدّمت ترجمته في الطبقة الثامنة والأربعين .