رفع ما لا يعلم ، بمعنى أن قاطبة الناس يجوز لهم عدم سماع قول الأنبياء
والعلماء ، وترك تعلم أحكام الله ، وجعل أصابعهم في آذانهم ، والذهاب إلى
أقطار لا يسمعون [ فيها ] من أحكامه شيئا ؟ ! فهل هذا إلا الإذن بأن يصير
الناس كالبهائم والمجانين ؟ !
وإن أبيت عن التقييد العقلي ، وقلت : لا امتناع عند العقل - بعد وضوح
كثير من الأحكام والعلم الإجمالي بكثير منها - أن تجري البراءة بالنسبة إلى
البقية ، فلا أقل من انصراف أدلة البراءة عما قبل الفحص ( 1 ) .
هامش
( 1 ) بل التحقيق أن في مثل قوله : ( رفع . . مالا يعلمون ) لا يكون الموضوع هو
عدم العلم الوجداني ، حتى تكون أدلة الأمارات والأصول الحاكمة عليه من قبيل
المخصص له ، لاستهجان مثله ولو كان بنحو الحكومة ، بل الموضوع هو عدم الحجة ،
فكأنه قال : رفع مالا حجة عليه ، ولا إشكال في أن الحجة الموجودة في الكتاب والسنة
حجة واصلة بحسب المتعارف ، فمع عدم الفحص لا يعلم تحقق موضوع الأصل ، وهذا
واضح لدى التأمل .
ولو فرض الإطلاق فيقيد بما في نفس أدلة البراءة ، مثل قوله - تعالى - : * ( ما كنا معذبين
حتى نبعث رسولا ) * ( أ ) فجعل بعث الرسول غاية لرفع التعذيب ، وبمناسبة الحكم
والموضوع يكون المراد أن الرسول إذا بلغ من ارسل إليه بحسب المتعارف تتم الحجة
ووقع التعذيب على فرض المخالفة ، والمفروض - كما تقدم - أن التبليغ المتعارف
تحقق ، ووجود الأحكام في الكتاب والسنة حجة تامة على الأمة ، ولا يجوز لهم غض
البصر عنها .
ومثله قوله : * ( لا يكلف الله نفسا إلا ما اتاها ) * ( ب ) بناء على كونه من الأدلة ، ومثلهما
الروايات التي بهذا المضمون أو قريبة منه ، كقوله : ( إنما يحتج على العباد بما
آتاهم وعرفهم ) ( ج ) وقوله : ( كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي ) ( د ) فإنها صالحة